فهرس الكتاب

الصفحة 25705 من 27364

أيمن خالد

الحملة الصليبية الرابعة أثارت تساؤلات كثيرة حولها وحول دوافعها، قلما أثيرت في غيرها من الحملات الصليبية التي انطلقت بغاية إزاحة الإسلام عن المنطقة، وفشلت في تحقيق ذلك.

وتغدو الإشكالية في كون هذه الحملة ضربت رأس الكنيسة الشرقية، وبدت في ظاهرها صراعاً مسيحياً بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذوكسية، بمعنى أن الحملة لم تستهدف الإسلام والمسلمين حسب الظاهر، إلاّ أن الصورة الحقيقية غير ذلك؛ فالحملة كان خط سيرها باتجاه الأراضي الإسلامية وبالذات بيت المقدس، وهي الصورة التي توضحت فيما بعد من خلال الحملة الخامسة، والتي توجهت إلى مصر ولكنها أرادت بيت المقدس على اعتبار أن مركز القوة الإسلامية آنذاك كان في مصر التي بنى جيشها صلاح الدين الأيوبي.

الحملة الصليبية الرابعة بدأ الإعداد لها في الغرب من قِبل البابا (إنوسنت الثالث 1202 - 1204) ، الذي تمكن بفعل سطوة البابوية أن يقوم بالإعداد للحملة، وكانت فكرة إعداد الحملة قد تولدت في أعقاب الفشل الذي لاقته الحملة الصليبية الثالثة، والتي كانت غايتها التوجه لاحتلال القدس مجدداً بعد أن حررها صلاح الدين، ولكن الحملة اصطدمت بضراوة المقاومة الإسلامية، وانتهت باتفاق الصلح الشهير بين ريتشارد المسمى «قلب الأسد» وصلاح الدين الأيوبي، والذي بموجبه رجع الأوروبيون يجرون أذيال الخيبة، بل وأكثر من ذلك فقد انتقلت المعركة إلى أوروبا ذاتها، فها هو «ريتشارد» في طريق عودته إلى إنجلترا يتعرض للاعتقال على يد خصمه السابق «ليوبولد» دوق النمسا، وهو ما بات ينذر بدخول القارة الأوروبية في صراع داخلي جديد، مما يقلل من شأن سلطة البابوية، ويعيد أوروبا إلى دائرة الاقتتال الداخلي، وهو ما عملت الكنيسة على تجاوزه من خلال هدنة الرب المعروفة في عام 1095 من أجل ادخار القوى بغاية محاربة الإسلام.

فالكنيسة الكاثوليكية وجدت في هذا الاتفاق إذلالاً لها في الشرق، وتصغيراً لشأنها أمام الأوروبيين، ويعكس بشكل أو بآخر فشلها وهزيمتها أمام المسلمين، وانهيار مشروعها الديني الذي كانت قد أعدته وعاشت عليه منذ مئة عام.

فالمسيح لم ينزل لمساعدة الملوك الأوروبيين، والقيامة لم تقم، والصوم والصلوات من أجل النصر الذي ألزمت به الكنيسة رعاياها كله لم يفلح في هزيمة المسلمين الذين أخذت قوتهم تزداد، وتمكنوا من تحرير غالبية الساحل الشرقي لحوض المتوسط وإمارة الرها وغيرها.

وبالتالي باتت البابوية تخشى على موقعها داخل القارة الأوروبية، واهتزاز صورتها بسبب هذا الفشل، مما سيجعل سلطانها يتراجع، وهو ما لم تكن الكنيسة جاهزة له بعد، إذ كانت لا تزال تجد في العديد من الأمراء الجشعين أدوات صالحة وفعالة للاستمرار في الحرب، ناهيك عن أن نفوذها الديني كان في أوجه، خصوصاً وأن أوروبا في ذلك الوقت كانت لا تزال القارة التي لديها طاقات بشرية هائلة، كان ترغب البابوية في استثمار هذه الطاقات في السيطرة على شرقي المتوسط، حالمة بأن تستعيد دور الإمبراطورية الرومانية البائدة والتي كانت تلفظ أنفاسها أمام اندفاع المسلمين الذين كانوا بحاجة ماسة لضم القسطنطينية إلى ديارهم الإسلامية - ومنذ عهد الخلافة - بوصف القسطنطينية بوابة الخطر من الشمال، إذ عبرت منها جيوش الروم في معركة اليرموك الشهيرة.

تماماً كانت البابوية تنتظر ومنذ انقسام الكنيسة في عام 1054 الفرصة المؤاتية للانقضاض على القسطنطينية، بما يشكله ذلك من أطماع في احتواء العالم المسيحي؛ وخصوصاً الأرثوذكس الذين كانت تجد في وجودهم خارج سلطانها أمراً مؤرقاً لها.

الحملة الصليبية الرابعة هي كالحملة الأولى من حيث تكوينها، فهي فرنسية بامتياز، فقد كان حجر الزاوية فيها الأمراء الفرنسيون الذين شارك فيها العديد منهم، ناهيك عن كون فرنسا آنذاك - كما اليوم - تجد نفسها قلب العالم المسيحي، ولا تتوانى عن شن الحروب والدخول في معارك مختلفة هنا وهناك بذريعة حماية العالم المسيحي من الخطر القادم من الإسلام الذي أشاعه قادة الغرب وبالغوا في ذلك.

الحملة نحو بيزنطة:

فالإشكالية التي مرَّ ذكرها تتجلى في أمرين:

الأول خضوع النص التاريخي لإملاءات الكاتب الغربي، وتكوينه التاريخي الذي ينطلق من جذور ثقافية معينة.

وثانيهما: إسقاط المناهج والرؤى السياسية المعاصر،ة والتي تقدم المصلحة الأوروبية على الحقائق التاريخية، وتحميل التاريخ ما لا يحتمل أصلاً، وهذه النظرة تحاول تبرير وقولبة الوقائع التاريخية أكثر من سردها كما هي، فتخضع معالجة النص لهوى الباحث، وهي إشكالية سببها المنهج المتبع في الغرب في تحليل ودراسة التاريخ، ومن ثم تأثر الكاتب العربي بما يصل إليه من كتب مترجمة، مما أدى إلى تكرار آراء الكتاب الغربيين أنفسهم وتصوراتهم حول تلك المرحلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت