د.سليمان بن حمد العودة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره . .
إخوة الإسلام، ديننا دين المحبة والرحمة والإحسان ، وأخلاقنا وبذلنا للمحتاج يتجاوز الإنسان إلى الحيوان"في كل كبد رطبةٍ أجر"، بل يتجاوز المسلمين إلى الكفار لتأليفهم ودعوتهم للإسلام ( والمؤلفة قلوبهم ) مصرفٌ من مصارف الزكاة .
ومنذ شع نور الإسلام ونزل القرآن داعياً للبر والإحسان والنفقة والصدقة ، وبساطُ المسغبة يُطوى ، وتباشير الفرحة تعلو وجوه اليتامى والأيامى والأرامل والمحتاجين، فلا يبأس محتاج ، ولا يتلوى جائع ، ولا يقتل الهمُّ والغمُّ مديناً أو معسراً.
بل مرت في تاريخنا الإسلامي أوقات كان يُطاف بالصدقات والزكوات فلا تجدُ لها آخذاً ، إذ استغنى الناسُ بما يُعطون من حقوقهم وأعطياتهم .
وفي تاريخنا المعاصر ، ورغم النكبات والجوائح وكثرة الرزايا والضحايا ، وانتشار الفقر ، واتساع مساحة الجهل إلا أن العمل الخيري ـ بمؤسساته وهيئاته المختلفة ـ كان نقطة ضوء وإشعاع خير وسط هذا الظلم والظلام الدامس .
أجل لقد كان العملُ الخيري الإسلامي هو كفَّ الرحمة التي امتدت على كل أرض وتجوب كلَّ قطر ، تمسح دموع اليتامى ، وتبدد أحزان الثكالى ، وتقتلع مآسي الأرامل وترعى الأطفال وتُعلم الجهلة ، وتنقذ الغرقى في أتون الشرك والوثنية أو براثن الخرافة والبدعة ، وكانت هذه المؤسسات الخيرية واسطة خير ، ومستشاراً ناصحاً لرجال المالِ والأعمال ، إذ تتكفل بإيصال نفقاتهم إلى المحتاجين وتُسهم في تحقيق الخيرية نيابة عنهم .
لا يُقال ذلك عاطفةً ولا تخرصاً ، ولا وهماً ولا ادعاءً ، بل إن لغة الأرقام تكشف عن إحصاءات وإن تطلعنا إلى المزيد منها فهي تسرُّ الصديق وتغيض الأعداء، وعلى سبيل المثال لا الحصر بلغت قيمة نفقات بعض المؤسسات الخيرية الإسلامية وفي مدة محدودة كما يلي:"بناء المساجد بلغت تكاليفها مائة وستةً وعشرين مليون دولار، المشاريع التعليمية وبلغت تكاليفها مائة وثلاثة وثلاثين مليون دولار، المنح الدراسية بلغت أكثر من خمسة وأربعين مليون دولار ، الإغاثة الفردية بلغت تكاليفها مائتان وخمسة وثمانون مليون دولار ، المخيمات الطبية أكثر من ستة وعشرين مليون دولار ، آبار ومياه شرب ستة وثلاثون مليون دولار ، وجبات إفطار الصائمين أكثر من أكثر من ستة وأربعين مليون دولار ، أما المراكز الاجتماعية (غير التعليمية) فقد بلغت تكاليفها أكثر من ثلاثة وستين مليون دولار ."
وبالجملة فقد زادت تكاليف هذه المشاريع وغيرها عن ثمانمائة وثلاثة وستين مليون دولار" (د. محمد السلومي: القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب ص585) ."
إخوة الإيمان: ما جرم من يتعرض لهذا الخير المتدفق ، وكيف الحال إذا تعرض لهذه المسيرة الحضارية من يزعمون أنهم رعاة حقوق الإنسان ، ورواد الحضارة وحماةُ العدل في هذا الزمان ؟
لقد كشف المخبوء وتعرت القيم ، وانكشف عوارُ المجرمين، وأُحيطت هذه المؤسسات الخيرية بسياج من الحصار، واتهمت زوراً وبهتاناً بالإرهاب، وإذا قدر لهذا الحصار الظالم أن ينجح فستكون الكارثة بأهل الأرض فادحةً ، كم ستكون الصدمة؟ وأيُّ شقاء سيحل بالبشرية إذا حيل بينها وبين هذا الخير؟ والعالمون وغيرُ العالمين يدركون كم هي بعيدةٌ هذه الأعمال الإغاثية عن الإرهاب المزعوم ؟!
وهُنا يُقال: كم تُصدم البشرية البعيدة عن هدي القرآن بمخرجات هذه الحضارة النكدة التي لم يقتصر نكدُها على شعوبها ، بل تحاول أن يكون النكد سمةً لهذا الكون؟ وخاصة لأهل الإسلام .
إن على المسلمين ألا يستجيبوا لهذه الصيحات المُرجفة ، ولا يستسلموا للدعاوى الخاطئة الكاذبة ، وألا يقعوا ضحية للإعلام المزيف ، والتي أوجدت فتنةً دجالية تشبه إلى حد ما فتنة الدجال الأكبر ـ كما يقال ـ .
أجل إن الحكم على هذه المؤسسات الخيرية الإسلامية واتهامها بالإرهاب ظلمٌ بيِّن ، فليس في قاموسها ولا عندها وقتُ له ، إن الذين يشتغلون بتلبية الحاجات الأساسية للناس في إشباع بطونهم، وتقديم دوائهم، وتوفير غطائهم، وإزاحة ركام الأسى والألم من طريقهم، هؤلاء لديهم من الطهارة وسلامة المقصد ونزاهة الهدف وشرف تحمل الأعباء وطلب الأجر ما يسموا بهم عن الإرهاب ، تلك البضاعة المزجاة التي صُدرت للمسلمين ثُم اتهموا بها .