د.سليمان بن حمد العودة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره...
بوأ الله لإبراهيم مكان البيت، وأراده الله قلعة للتوحيد"ألا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً" (الحج: من الآية26) ، واستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث في أمة العرب رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
وكانت بلاد العرب وأرضُ الحرمين جزيرة الإسلام، منها شعّ نوره ومن بطاحها بُعث نبيه _ r _، ومنها انطلقت قوافل المجاهدين يفتحون البلاد ويدعون العباد إلى الحق، وكان الإسلام قدرَ الجزيرة، وكان فضل الله عظيماً على أهلها إذ جعلهم حملة الإسلام الأول، وأهلَ السابقة والفضل"بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الحجرات: من الآية17) ،"وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ" (الأعراف: من الآية43) .
وظلت الجزيرة - عبر القرون - تحظى بالأهمية والرعاية، فهي مهوى الأفئدة وقبلة المسلمين، ومنها ابتدأ تاريخ الإسلام، وفيها أعظمُ مقدسات المسلمين، ولا غرو أن تحتفظ بخاصيتها وتميزها الحضاري والقيمي وإن مرّت بمراحل ضعف أو تهميش في جوانبها السياسية والمادية.
ولا تزال بلاد الحرمين تحتفظ بمكانتها ولها سَمْتُها وخصائصها المميزة عن غيرها، ولكن هذا التميُّز لم يكن مرضياً لأعداء الملة والدين في قديم الزمان وحديثه، وكانت حملات المشركين والمنافقين في مواجهاتها الأولى مع خير القرون شرسة حادة، استُخدمت فيها كل أنواع السلاح، وشعار المشركين قولهم:"أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ" (صّ:5) ، ومنهج القوم"أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ" (صّ: من الآية6) ، وشعار المنافقين"لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ" (المنافقون: من الآية8) ، ومنهجهم في التضييق"يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا" (المنافقون: من الآية7) .
واستمرت ولا تزال حملاتُ المواجهة والإرهاب يصطلي المسلمون عموماً بنارها ولبلاد الحرمين نصيب وافرٌ منها، وما الهجوم الكاسح في وسائل الإعلام الغربية وفي دوائرهم السياسية وهيئاتهم ومنظماتهم إلا نموذج من نماذج العدوان والظلم، فلم تسلم البلاد ولا العباد من تطاولهم وظلمهم ولم يُستثن الإسلام الحق، ولا النبي الأكرم، ولا الكتاب المهيمن من هذه الهجمة الشرسة، وأنى لغيرهم أن يسلموا؟
ولا غرابة في ذلك فالهدف واضح"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ" (البقرة: من الآية120) والنفس الطويل"وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا" (البقرة: من الآية217) .
ولكن المستغرب حقاً أن يستجيب المسلمون لهذه الاستفزازات، وأن يضعفوا أمام هذه المكيدة ويتأثروا بهذه الحملات، والأخطر من ذلك أن يتّجهوا إلى أغلى ما يملكون بالتغيير لا بالتطوير، وأن تكون قيم الأمة وأصولها في مهب الريح، وأن تُخترق حصونها الأخيرة في سبيل إرضاء الآخرين، أو لنوع من الهزيمة النفسية عند ثلة من المثقفين، فيحذف أو يحور (الولاء والبراء) من المناهج الدراسية، ويستحيا من ذكر الجهاد، وهو ذروة سنام الإسلام أو يغض الطرف عن الكافر وترقق العبارة معه فيُسمى بالآخر بدل الكافر، وهو مصطلح الشرع حتى وإن قاتلونا في الدين وأخرجونا من ديارنا مستعمرين غاصبين، وكأنه لم ينزل في كتابنا"وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً" (التوبة: من الآية123) ،"وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ" (المائدة: من الآية51) ،"لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ" (الممتحنة: من الآية1) .
وعلى حين غفلة من الناس جرى في هذه الأيام تغييرٌ في مناهجنا الدراسية، وفوجئت المدارس بسحب كتب مدرسية طبعت هذا العام 1424هـ، لتُستبدل بكتبٍ أحدث منها، وكان التغيير على مستوى كتبٍ بجملتها، أو إبقاء كتب مع تعديل في بعض مضامينها، أو توحيد المنهج للبنين والبنات في كتاب واحد أو تغيير الرسوم والصور والتعليقات القديمة إلى صور وتعليقات محدثة تظهر فيها صورة الفتاة إلى جانب صورة الفتى، وفيها إيحاءات لا تخفى على اللبيب..
ولنا على هذا التغيير وقفات وتعليقات:
1-هذا التغيير العاجل والمفاجئ كان مُركزاً على مواد الدين، ولا سيما (التوحيد) ، ويُعنى التغيير بقضايا أساسية في العقيدة كالولاء والبراء، وما يتبع ذلك من حكم الاحتفال بأعيادهم ومشاركتهم أفراحهم، وحكم الاستعانة بالمشركين والعمل عندهم والإقامة بين أظهرهم وحكم تقليدهم ونحو ذلك، وقد طالعت بنفسي كتاب التوحيد الجديد للصف الأول الثانوي، فرأيت حذفاً كاملاً لباب الولاء والبراء، وتغييرات أخرى في الأبواب الأخرى يدركها بجلاء من قارن بين المنهج القديم والجديد.