فهرس الكتاب
فلماذا تكون البداية بمواد الدين وبهذه الموضوعات على وجه الخصوص؟ ومن المسؤول عن الهدر المادي حين تطبع كتب هذا العام ثم تسحب بعد أسابيع لتوزع كتب بديلة عنها؟
2-لم يُستفت العلماء وفي مقدمتهم هيئة كبار العلماء في هذا التغيير، وفي ذلك خرق وتجاوز للأمر الملكي القاضي بإحالة أي تغيير في المناهج الشرعية إلى هيئة كبار العلماء، بل صدرت فتوى لأحدهم، وهو فضيلة الشيخ صالح الفوزان باستنكار التغيير في المناهج، ومما قاله: لا يجوز التغيير في الكتب المؤلفة القديمة بحذف شيء أو زيادة أو شطب شيء أو تقديم أو تأخير ولا حذف أسماء مؤلفيها؛ لأن ذلك خيانة للأمانة العلمية، وهو من جنس تحريف أهل الكتاب لكتبهم... إلخ، بل ذلك خرق لسياسة التعليم في المملكة، والتي نصت أهدافها الإسلامية العامة على: 1- تنمية روح الولاء لشريعة الإسلام، وذلك بالبراءة من كل نظام أو مبدأ يخالف هذه الشريعة... إلخ (ص 10) ، كما نصت سياسة التعليم في المملكة في أهداف المرحلة الثانوية (وهي المرحلة التي حذف منها باب الولاء والبراء) على: متابعة تحقيق الولاء لله وحده، وجعل الأعمال خالصة لوجهه ومستقيمة في كافة جوانبها على شرعه (ص12) ، ونصت كذلك على أن غاية التعليم في المملكة فهمُ الإسلام فهماً صحيحاً متكاملاً، وغرس العقيدة الإسلامية ونشرها (ص10) الطبعة الرابعة.
وإذا نصت هذه الوثيقة المعتبرة على الولاء والبراء وعلى فهم الإسلام فهماً متكاملاً في أكثر من بند فكيف يحذف هذا الباب برمته من المنهج؟ وإذا كان يخطط لتعديل سياسة التعليم برمتها فالأمر أدهى وأمر ويحتاج إلى وقفة حازمة وعلى مستوى أعلى، وهل يلام من قام بمرافعة للتجاوزات على سياسة التعليم؟
3-إن أمر المناهج الدراسية عظيم فعليها تتربى أجيال الأمة في كافة المراحل، ومن خلالها تصاغ عقول الطلاب والطالبات، المناهج الدراسية ذات صلة بمشروع الأمة الحضاري، ومحددة لقيمها وأسلوب تعاملها مع الآخرين، هي عامل من عوامل الوحدة والبقاء، وهي لون من ألوان التميز، ومرتكزٌ للصمود أمام التحديات العالمية.
وإذا كانت تلك بعض قيم المناهج، فالتغيير فيها لا ينبغي أن ينفرد بالقرار فيه امرؤٌ أو فئة معينة، بل هو حق للمجتمع كله بدءاً من الطالب ومروراً بالمعلم، ثم ولي أمر الطالب، وانتهاءً بولاة الأمر، ومنهم العلماء، فهل يليق أن تصادر آراء هؤلاء جميعاً، ويصدر القرار بشكل أحادي أو فتوى؟ أين الدعاوى بتقدير وجهة نظر الآخرين؟ ألسنا ننتقد سياسة الإقصاء، أولسنا نعيب احتكار الآراء، وما بالنا نمارس ذلك في أخطر القضايا؟
ومهما قيل إن التغيير بسبب الأحداث والتفجيرات الأخيرة، فالحديث عن التغيير في المناهج سابق لذلك، ومهما استنكرنا حوادث التفجير في بلادنا فلا ينبغي أن نعالج الخطأ بخطأ آخر.
4-إن قضيتنا مع المناهج، بل مع التعليم برمته قصة طويلة، ومنذ زمن والمستغربون وأهل العلمنة يدندنون حول التعليم مرة بالدعوة إلى الاختلاط ومرة بتغيير المناهج، وثالثة بإدخال التربية الرياضية في مدارس البنات... وهكذا، ومع الإصرار ومستجدات الأحداث بدأت الخطوات الأولى لتنفيذ المخطط، وينبغي أن يصرَّ الخيِّرون وأصحاب الفكر السليم على وقف التنفيذ، والتنبه للخطوات المستقبلية، وأين القول بأن (الدمج) مجرد قرار إداري؟ وهل لنا أن نقول: إن هذه أول ثماره المرة؟
5-وثمة طرفٌ آخر يصر على التدخل في مناهجنا، ولكنه يُسِرُّ بذلك من قبل، ثم بات يجهر ويعلنها صراحة وتهديداً، واصفاً إياها بالتطرف، وناسباً لها تدمير حضارتهم، والحق أن مناهجنا لم تدمر منشآت الغرب، وإنما دمّر الغربُ أنفسهم بأنفسهم، وذلك بظلمهم وطغيانهم وتدميرهم للآخرين، ولقد شهد شاهد منهم بذلك، فقد قال (أحدُ) أصحاب مدرسة المخابرات المركزية الأمريكية (بيل كريستان) : إن الهدف الحقيقي للمتطرفين هو تخليص العالم الإسلامي من الهيمنة الأمريكية، إنهم لم يسعوا إلى تدمير أمريكا بقدر ما سعوا إلى إخراجها من أرضهم، [مستقبل العالم الإسلامي وتحديات في عالم متغير (كتاب البيان) 1424هـ ص563-564] .
6-إننا حين نستجيب لهذا الاستفزاز ونغيِّر في المناهج لا عن قناعة وإنما لإقناع الآخرين، فنحن بهذا التصرف نصدِّق التهمة، وسيظل القوم يتهمون، ونحن نغير، حتى لا يبقى لنا من مناهجنا شيء نتميز به، وأعداؤنا في الغرب والشرق يدركون أن التأثير على التعليم مدخلٌ للسيطرة على الفرد والأمة، وهو أسلوب لتدجين المجتمعات الإسلامية وسلخها من هويتها المسلمة، وهو نوع من الإرهاب الفكري والاستعمار الثقافي لا يتورع الغرب عنه، ومن العجب أن هؤلاء الذين يمارسون التدخل في مناهج الآخرين يرون التدخل في مناهجهم نوعاً من الحرب عليهم، وأمريكا وقبل عشرين عاماً تقول: لو قامت قوة بفرض نظام تعليمي علينا لكان ذلك مدعاة لإعلان حرب علينا. (الدويش، البيان/173) ، وعلى المجتمع والأمة أن تدرك آثاره ومخاطره المستقبلية، وأن تتبصر في المخطط والأدوات ووسائل التنفيذ، وتسعى جاهدة لإيقاف صلاحيته وسريانه.