الاستدلال بتعامل الرسول _ r_ مع اليهود على التطبيع
أجاب عليه … فضيلة الشيخ د. سعد العتيبي
التصنيف …الفهرسة/ الركن العلمي/ العقيدة/الولاء والبراء
التاريخ … 14 / 10 / 1426 هـ
رقم السؤال … 10379
السؤال
هل يصح الاستدلال بتعامل الرسول _ r_ مع اليهود وعقده الصلح معهم على جواز التطبيع مع اليهود في هذا العصر ( ما يسمى دولة إسرائيل ) والتبادل التجاري معهم، وهل هذا من جنس الصلح المذكور في كتب الفقه؟
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه .. أما بعد ..
فإنَّ الاستدلال بتعامل النبي _ r_ مع يهود، على جواز التطبيع، لا يصح ؛ لأوجه عديدة:
منها: أنَّ يهود في العهد النبوي لم يكونوا محتلين لبلاد المسلمين؛ وإنَّما معاهدون، سواء كان ذلك بصلح مؤقت ينتهي بانتهاء وقته، أو صلح مطلق ينتهي متى أراد المسلمون إنهاءه بشرط إعلام المصالحين بذلك ، وإمَّا أنهم صاروا رعايا من رعايا الدولة الإسلامية بدخولهم في عقد الذمّة ؛ كما في صلح أهل نجران ، وقصة خيبر، فمنها ما فتح عنوة بالقوة العسكرية ومنها ما فتح صلحا ، وعلِّق فيه بقاؤهم في خيبر بحاجة المسلمين . قال ابن عبدالبرّ:"أجمع العلماء من أهل الفقه والأثر وجماعة أهل السير على أن خيبر كان بعضها عنوة وبعضها صلحاً" (التمهيد ، لابن عبد البر:645) . وقال أبو العباس ابن تيمية عن أهل خيبر وفتحها:"فإنَّها فتحت سنة سبع قبل نزول آية الجزية ؛ وأقرّهم فلاحين وهادنهم هدنة مطلقة قال فيها: (( نقركم ما أقركم الله ) )" (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح:1/216-217 ) ؛ ولهذا أمر _ r_ عند موته بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ؛ وأنفذ ذلك عمر رضي الله عنه في خلافته" (أحكام أهل الذمة ، لابن القيم:2/478) ."
فاليهود الذين تعامل معهم النبي _ r_ لم يكونوا محاربين ولا محتلين ، بل كانوا مسالمين خاضعين للشروط الإسلامية بالعهد ، وقد قال الله _عز وجل_:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة8] ؛ ثم هم في حالة ضعف ، لا يقدرون على نشر ما يريدون من ثقافة وفكر ، بعكس واقع اليهود اليوم فهم محاربون غير مسالمين كما نرى ويرى العالم ، وهم يفرضون رؤاهم الفكرية والثقافية وقناعاتهم الباطلة ليسلم لهم بها الآخرون رغماً عنهم ! وقد قال الله _عز وجل_:"إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" [الممتحنة9] .
ومنها: ما أشرت إليه في سؤالك بقولك: هل هذا من جنس الصلح المذكور في كتب الفقه ؟ وجوابه: أنَّك ذكرت في سؤالك مصطلحين مختلفين ، وهما ( الصلح ) و ( التطبيع ) ، وببيان مدلول كل منهما يظهر الفرق بينهما في الحكم .
فمصطلح ( الصلح ) في كتب الفقه ، يطلق على معاهدة الكفار بما في ذلك عقد الذمَّة الذي يدخل به غير المسلم في رعاية الدولة الإسلامية على الدوام ، والغالب استعمال لفظ الصلح رديفاً لمصطلح ( الهدنة ) عند علماء الإسلام ، والهدنة هي: المعاقدة بين إمام المسلمين أو من ينيبه ، وبين أهل الحرب ، على المسالمة ، مدة معلومة أو مطلقة ، ولو لم يدخل أحد منهم تحت حكم دار الإسلام . فهي تعني المسالمة المؤقتة عند جميع الفقهاء ، وتشمل المسالمة المطلقة غير المؤبدة على رأي عدد من المحققين من أهل العلم ، وهو الذي تسنده الأدلة الشرعية . ومرادهم بالمطلقة: التي لا يُصرّح عند الاتفاق عليها على مدّة محدّدة بل تبقى دون مدّة ، ويكون العقد فيها جائزاً ، أي أنَّ لكل من الطرفين أن يعلن انسحابه منها بعد إشعار الطرف الآخر بمدة كافية لأخذ الحذر منه ، فهي مطلقة لا مؤبّدة (ينظر: العقود ، لابن تيمية: 219 ؛ ومجموع فتاوى شيخ الإسلام:29/140 ؛ وأحكام أهل الذمة ، لابن القيم:2/476 وما بعدها) . بخلاف المؤقتة فالعقد فيها واجب ، بمعنى أنّه لا يجوز لأحد الطرفين أن ينقضها قبل انتهاء المدة ، ولو فعل ذلك أهل الكفر ، فإن تصرفهم هذا يُعد نقضاً للعهد ، ومن ثم ينتهي تمتعهم بآثار عقد الهدنة ، و يتحولون من معاهدين إلى محاربين كما كانوا قبل الهدنة . فالهدنة والصلح عند الفقهاء في كتاب الجهاد شيء واحد ، ولذلك يُعَرِّفون أحدهما بالآخر ، فليس هناك صلح دائم إلا مع الذميين الذين هم في الحقيقة من رعايا دولة الإسلام .