فهرس الكتاب

الصفحة 16735 من 27364

قراءة في"الثقافة العربية في عصر العولمة"

مبارك عامر بقنه

كتاب"الثقافة العربية في عصر العولمة"، هو عبارة عن مجموعة مقالات ومحاضرات ألقاها تركي الحمد في مؤتمرات متنوعة، وفي قراءة سريعة لهذا الكتاب يلحظ القارئ المخالفات الشرعية البينة، والتجاوزات الفكرية الواضحة، ومحاولة الخروج عن قيم ومبادئ المجتمع المسلم. مستخدماً أسلوب التكرار الممل لكثير من العبارات والأفكار، وذلك لترسيخ الأفكار ـ المراد نشرها وتعميمها ـ في الذهن. وقد حاول الكاتب نقد الثقافة العربية بطريقة موضوعوية [1] وليست موضوعية، مما جعل الكتاب بلا هوية أو انتماء وهذا النهج الفكري القصد منه تمييع القضايا التي يتناولها للدراسة.

الكاتب ونشأة العولمة:

كثر القول في بداية تحديد بداية نشأة العولمة فبعض الباحثين يرجع ذلك إلى نهاية القرن التاسع عشر مع اكتشاف التلغراف، وبعضهم يرجعها إلى نهاية الحرب العالمية الثانية مع انقسام العالم إلى معسكر شرقي وآخر غربي، ويذهب كثير من المثقفين في تحديد نشأة العلومة إلى نهاية القرن الخامس عشر، معللين ذلك ببداية ظهور الدولة القومية الحديثة، وهذا القول هو القول السائد عند الغربيين، وكثير ممن نقل وترجم عنهم أخذ بهذا القول تقليداً، ومن هؤلاء الكاتب إذ يقول:"إن العلومة ليست شيئاً جديداً جاء مع الثورة المعاصرة في الاتصالات والمعلومات، فهي بدأت منذ أن دخلت، أو أنتجت، أوروبا الحداثة في نهاية القرن الخامس عشر [2] "

ومن سبر أغوار التاريخ وقلّب صفحات الماضي يجد أنه في هذا العهد سقطت الدولة الإسلامية في الأندلس، وطرد الصليبيون المسلمين من قرناطة عام 1492م، وبدءوا زحفهم على العالم الإسلامي. ولهذا يصف الغربي هذا العهد بأنه بداية العلومة؛ إذ هو بداية إرسال البعثات التنصيرية للعالم الإسلامي. ومن الخطأ الفادح أن نجعل بداية هزائمنا، وتراجعنا عن الريادة، وتعميم النمط الحضاري الغربي والفكر الصليبي في بلاد المسلمين هو بداية العلومة.

ولكن يظهر أن الكاتب لن يبالي بذلك فهو يرى أن التقدم والتحديث لا يتم إلا بالتغريب كما يقول:"الحداثة ليست مجرد غشاء مادي؛ بل هي حالة عقلية إما أن تأخذ كلها أو تترك كلها، والتحديث عملية متكاملة، وغير ذلك هو المسخ [3] "فلقد وصل الكاتب مرحلة من الانهزامية، وفقدان للهوية، واستسلام مطلق للحداثة الغربية مما يجعله عاجزاً عن المقاومة ومحاولة النهوض والتحدي، فيقول:"لن تستطيع الثقافات التقليدية العريقة أن تفعل شيئاً، أمام هذه الثقافة المسلحة بوسائل وإمكانيات قادرة على اختراق الغرف المغلقة. [4] "

الكاتب والثقافة:

الكاتب يسعى إلى تمييع مفهوم الثقافة، وتجريد الأمة من خصوصيتها، وإذابة شخصيتها في ثقافة واحدة غربية المفهوم، علمانية التصور، مادية التوجيه. زاعماً أن ثقافتنا من طبيعتها التعايش مع الثقافات الأخرى ولكن التشبث بها هو الذي ولّد التصادم، ولا استطيع أن أصف هذا القول إلا بالجهل والتضليل على القارئ، فإن من خصائص الثقافة الإسلامية أنها ثقافة استقلالية لا تقبل الترقيع والتمزيق، أو التمازج مع أي ثقافة أخرى مغايرة لها، فهي لها نظرتها الفريدة للكون والإنسان والحياة وتتميز بأنها ثقافة تعتمد على الوحي والإيمان بالغيب، ومحاولة إلغاء الفارق بيننا وبين الآخر هو مرفوض من كلا الثقافات، فالصراع والمواجهة لابد أن تستمر ما دامت الحياة كما يقول الله تعالى ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: من الآية217) ولا يزالون مستمرون أبداً في مقاتلتنا حتى نكفر ونتخلى عن ديننا وعقيدتنا وثقافتنا ونكون مثلهم، عند ذلك يرضون عنا ويتعايشون معنا كما قال الله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة:120) فهل نتخلى عن ديننا حتى نكون ذو ثقافة عالمية؟!

ثم لا أدري لماذا هذه التبعية والإعجاب لثقافة الغرب، فهم والله وإن كانوا تقدموا علينا مادياً وتقنياً وإدارياً لا يعني ذلك سلامة منهجهم الثقافي، وصحة تصوراتهم العقدية. ولكنهم وفقوا في الأخذ بالسنن الكونية في التعامل مع الحياة، وسنن الله لا تحابي أحداً ولا تتخلف عن فرد أو أمة أو جماعة من أخذ بها وعرف كيف يتعامل معها وفّق للصواب، فهي تسري على جميع الخلق. وتخلفنا اليوم نشأ عندما تركنا"فاتبع سببا"وأهملنا الأخذ بالسنن الطبيعية. فليس تخلفنا نتيجة خلل في ثقافتنا أو تصورنا للحياة والكون. وبروز الثقافة الغربية في العالم لا ينطلق من طبيعتها وذاتها وإنما يسند هذه الثقافة القوة السياسية والاقتصادية والإعلامية التي يملكها الغرب في نشر ما يريد. فثقافة الغرب سادت وانتشرت بعوامل مساعدة أخرى. وهذا خلاف الثقافة الإسلامية التي انتشرت في العالم بذاتها بدون أي مؤثرات خارجية وإنما بما تحمله في طياتها من حقيقة وصدق ووضوح وتكامل وتوازن شامل لجميع أشكال الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت