فهرس الكتاب

الصفحة 8445 من 27364

إستراتيجية الشراكة:"معا نقمع الإرهاب"(**)

كولن باول - وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية

* ترجمة وتحرير: سالي هاني

عندما يفكر أغلب الناس في السياسة الخارجية الأمريكية هذه الأيام، فإن أول ما يتبادر إلى أذهانهم هو -فقط- مظاهر الحرب على الإرهاب التي تتجلى في إعادة إعمار كل من العراق وأفغانستان، في مشاكل الشرق الأوسط، في خلايا الإرهاب المختبئة في شرق آسيا، في العلاقات مع أوربا. وأنا أعتبر هذا الحكم المسبق أمراً طبيعياً.

لقد عصف الإرهاب الدولي بالوطن الأمريكي في 11 سبتمبر 2001، ولأسباب موضوعية ومبررة، يريد الشعب الأمريكي مثول المسئولين عن ذلك أمام العدالة، كما يريد كذلك فهم أسباب حدوث هذا الهجوم؛ ويطالب بسياسة خارجية تضمن عدم تكرار ذلك مرة أخرى.

ومن الطبيعي أن تتصدر الحرب على الإرهاب أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، وستظل كذلك لمدة طويلة؛ لأن الإرهاب -المرتبط واقعياً بتزايد أسلحة الدمار الشامل- يمثل الآن التهديد الأعظم لأرواح الأمريكيين. ويعد القضاء عليه أولوية تقود، ليس فقط إلى التحرك العسكري لكسر شوكة الإرهابيين الفرديين والدول الداعمة لهم، لكن تقود أيضاً إلى التعاون متعدد الأطراف لتفعيل قوة القانون.

إلا أن اتساع إستراتيجية الولايات المتحدة قد تجاوز حدود الحرب على الإرهاب، لأن اعتماد إستراتيجية محدودة للتعامل مع الأخطار لن يؤدي إلا إلى الفشل، كما لو كنت تحاول نزح الماء من داخل سفينة مثقوبة؛ بيد أن التركيز الشديد على خطوط المواجهة في الحرب ضد الإرهاب، جعل من الصعوبة على الشعوب إدراك حقيقة الإستراتيجية الأمريكية. ونحن جميعاً نعرف الحكمة القائلة بأنك يمكن أن تقود الفرس إلى مصدر الماء، ولكن لا يمكن أن تجبره على الشرب. وتنطبق تلك الحكمة تماماً على ما يحدث الآن؛ فالإدارة الأمريكية وضعت إستراتيجية خارجية ولكن يبدو أنها غير قادرة على إيصالها للآخرين.

الإستراتيجية الأمريكية مظلومة

ولا يستغرب أن يقوم منتقدو أي إدارة أمريكية بالقول إن الرئيس الأمريكي ليس لديه رؤية للعالم، وليس لديه بالطبع أي إستراتيجية. وتنسب كل أزمة إلى هذا التعليل، وكأن العالم يتشكل وفقاً لرغبات الولايات المتحدة. ومع الأسف فهذا الانتقاد يكاد يصدق في عهد بعض الإدارات الأمريكية، إلا أنه لا يصدق مع إدارة الرئيس بوش الابن. فالرئيس بوش لديه رؤية لعالم أفضل؛ ولديه كذلك إستراتيجية لترجمة هذه الرؤية إلى حقيقة.

وكان أول بزوغ لرؤية الرئيس بوش في سبتمبر 2002، مع صدور إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة NSS (National Secu r ity St r ategy) ؛ تلك الوثيقة التي لم تتجاوز أربعين صفحة، ويتحدد خلالها أولويات السياسة الأمريكية في ثمانية محاور، تتضافر جميعها من أجل خلق إستراتيجية شاملة، عميقة وبعيدة المدى، تتيح للولايات المتحدة العديد من الفرص لمجابهة الأخطار التي تواجهها.

وبالتأكيد لا يمكن أن تكون الوثيقة صادقة في كل الخيارات الموضوعة، لكن لا يمكن كذلك التصريح بكل ما تنتوي الولايات المتحدة القيام به من خطط وأفكار. ومع ذلك يعد الأمر مثيراً للاستغراب أن تحظى إستراتيجية السياسة الخارجية بسوء فهم المراقبين الداخليين والخارجيين على السواء. فقد اتهمت إستراتيجية الولايات المتحدة بأنها أحادية التصميم، وأنها غير متوازنة فيما يتعلق بالوسائل العسكرية، وأنها متحيزة تجاه الحرب الاستباقية، وهذا كله غير صحيح.

إلا أنه، ومن السياق العام، يمكن أن نفهم أسباب هذا التحريف والتشويه للإستراتيجية الأمريكية. فقد وضعت إستراتيجية الولايات المتحدة مفهوم"الاستباقية"في الصدارة، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وذلك لأسباب وجيهة: أولها طمأنة الشعب الأمريكي بأن الحكومة لديها القدرة على الحكم على الأمور بصورة صائبة وحصيفة. بعبارة أخرى، إذا كان لدينا القدرة على تحديد مكامن الخطر، فلا يجب الانتظار حتى تعاود الهجوم علينا مرة أخرى. وثاني هذه الأسباب، هو إبلاغ خصومنا بأنهم بحق في مشكلة كبرى، وأن مزيداً من الهجمات الإرهابية يعني فرصا أكبر للوقوع في الأخطاء. علاوة على ذلك، نجد أن بعض الدول تشارك في الإرهاب ليس لأسباب أيدلوجية، ولكن لأسباب نفعية انتهازية. ويجدر بنا -في هذا الصدد- تنبيه قادة تلك الدول بأن تكلفة ذلك ستكون غالية.

وبالرغم من منطقية السببين السابقين، فإن بعض المراقبين يبالغون في تصوير حجم"الاستباقية"في السياسة الخارجية، ومدى أهميتها في إستراتيجية الولايات المتحدة ككل، بالرغم من أن مفهوم الاستباقية لم يرد ذكره في إستراتيجية الولايات المتحدة NSS سوى مرتين على مدار ثمانية فصول كاملة.

وعلى الصعيد الداخلي، تحزّب البعض ضد الإستراتيجية دون إبداء أسباب محددة، في محاولة لتشبيه ظهور مفهوم"الاستباقية"في مطلع القرن الحادي والعشرين بظهور مفهوم"الصاروخ القعقاع"r ocket r attle في فترة الحرب الباردة.

الشراكة هي شعار إستراتيجيتنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت