فهرس الكتاب

الصفحة 8443 من 27364

الملاحظة الخامسة: أنه إذا كانت مبادرة 2002 وكذلك مبادرة 2003 قد صدرتا في إطار محاولات الإدارة الأمريكية احتواء الغضب العربي، بسبب الاحتلال الأمريكي للعراق، وصرف الانتباه عن المقاومة العراقية؛ فإن مبادرة 2004 وإن اتصلت بشكل أو بآخر بالملف العراقي فإنها تتوجه بشكل أخص في الواقع إلى الناخب الأمريكي. فإذا كان الرئيس الأمريكي يواجه مرشحا ديمقراطيا (هو جون كيري) مكتسحا للساحة السياسية الأمريكية من الغرب إلى الوسط صوب الشرق أي واشنطن ونيويورك وبوسطن؛ مما ينذر بمواجهة حاسمة بينه وبين الرئيس بوش.. فإن بوش أراد بهذه المبادرة أن يهدئ من روع العالم العربي، وأن يبدي احتراما لرغبات وخصوصيات دول المنطقة، وهو يعلم علم اليقين أن ذلك بيع للوهم وتسويق للسراب؛ لأنه لا يضمن بقاءه في البيت الأبيض لفترة ثانية.

كما أن الإدارة الأمريكية الحالية قد دخلت من الناحية الفنية في مرحلة الشلل أو ما نسميه بمرض الموت السياسي، الذي يمنع من التصرف، إلى أن يموت المريض أو يشفى شفاء تاما؛ فأراد الرئيس بوش أن يقدم ما يظنه جديدا، ويذكر الناخب الأمريكي بأمجاد السبعينيات والثمانينيات في إدارات كارتر وريجان اللذين أسهما -كل بطريقته- في القضاء على الشيوعية؛ حيث غلف الرئيس بوش مشروعه بغلاف مقدس؛ وهو تفاني الشعب الأمريكي في توسيع دائرة العالم الحر، رغم كل التضحيات؛ وأنه ملتزم التزاما تاما بقيادة الثورة العالمية لنشر الديمقراطية التي تؤدي إلى اقتلاع جذور الإرهاب وتحرير العالم؛ مما يضر البشرية.

ونحن نعتقد أن الرئيس بوش يكمل هذه الصورة، عندما طالب دول العالم يوم 12 فبراير الجاري بالامتثال لاتفاقيات منع إنتاج أسلحة الدمار الشامل واستخدامها، والعمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في هذا الاتجاه. وهذه دعوة طيبة لولا أنه استثنى إسرائيل، كما أنه سبق أن أعلن عن برامج أمريكية في مجال التسلح غير التقليدي؛ وهو ما يجعل دعوته يشوبها العوار وعدم المصداقية.

ستكون المبادرة الأخيرة..

والخلاصة أن المبادرة الأمريكية الجديدة الخاصة بالشرق الأوسط الكبير تعد تلاعبا بأشواق الشعوب العربية التائقة إلى التحرر من النظم المستبدة. كما أنها تعد تلاعبا على المستوى الأمريكي بالاتجاه القومي المتطرف الذي تحدث عنه كروسمان في مقاله القيم في الهيرالد تريبيون يوم 10-2-2004، عندما قارن بين شبكة فوكس للأخبار وما تبثه من أكاذيب تدعم الإدارة الأمريكية، وتعمل في خدمتها، وبين هيئة الإذاعة البريطانية التي تحترم الجمهور، ولو على حساب مصداقية الحكومة البريطانية.

وأخيرا.. فنحن نعتقد أن القيمة الوحيدة لهذه المبادرة هي أنها قد تكون آخر المحاولات الأمريكية في هذا الصدد؛ لما تتسم به من عدم الجدية، ولصدورها عن إدارة تحتضر سياسيا.. وظني أنها لم تقع موقعا مفيدا عند المتلقي الأمريكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت