فهرس الكتاب

الصفحة 13259 من 27364

جواد الشقوري**

منير شفيق وطه عبد الرحمن في ملتقي الحكمة للمفكرين بالرباط

"المفكر المسلم منير شفيق يذكرنا بالفيلسوف المسلم روجي جارودي".. بهذه العبارة قدم الفيلسوف المؤسس والمجدد طه عبد الرحمن ضيف"منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين"المفكر الأستاذ منير شفيق؛ إذ رأى طه أن هناك عدة أوجه تشابه في مسار الرجلين نحو تبني الإسلام. ولو أن طه أكد أن منير شفيق كان له مدرجه الخاص به في تعامله مع التحولات التي شهدها مساره الفكري. وذكر طه أن الأستاذ منير له أكثر من 40 مؤلفا، زاهدا في مردودها بل ناسيا حتى بعض عناوينها، وكأن غيره هو الذي ألف تلك الكتب.. فمنير شفيق يذكرنا بالأقدمين الذين كانوا يزهدون فيما يكتبون كما يزهدون فيما ينفقون. ويعتبر كتاب"الحج.. تأملات وخواطر"آخر ما كتبه الأستاذ منير.

في بداية مداخلته التي كان عنوانها"الحداثة والعلوم الإنسانية"، والتي أقيمت في كلية العلوم بالرباط (27/2/2004) ، أشار الأستاذ منير إلى أنه عندما يقال يجب أن ندخل الحداثة أو أن نصبح حداثيين المقصود أن نتمثل بالأنموذج الغربي في كل المناحي الحياتية.. بهذا المعنى لا تصبح الحداثة فقط فلسفة الأنوار وما يقوله مفكروها، إنما تصبح أيضا النظام نفسه القائم في الغرب ونمط الحياة الاقتصادي والاجتماعي والإنساني..

ومن خلال هذا التحليل فإن الاستعمار -في رأي منير- بكل مراحله والهيمنة الخارجية وما عرفته هذه الحضارة من ألوان العنصرية؛ ابتداء من إبادة الهنود الحمر في الولايات المتحدة، والتمييز العنصري الذي مورس ضد السود وضد شعوب كثيرة يجب إدراجه في الحداثة، ويؤكد شفيق أن الحداثة يجب أن تقرأ من كل جوانبها وألا تجزأ؛ وهذا في تصوره مدخل رئيسي لفهم الحداثة.

بين حداثتين

ما سبق ذكره هو الذي قاد منير شفيق إلى تقسيم الحداثة إلى حداثة مهيمنة ومسيطرة وحداثة تابعة ومقلدة؛ والسبب الذي يبرر هذا النوع من التقسيم هو أن الغرب بطبيعة نظامه غير قابل للتعميم؛ إذ تعميم الرأسمالية وإنتاجها يؤدي إلى دمار هذا العالم.. فالعالم لا يحتمل هذا النمط من الحداثة إذا أدرجنا فيه نمط الاستهلاك والإنتاج الرأسمالي ونمط الحياة العامة الموجودة في الغرب.

وعن الذين يعتبرون أن الديمقراطية أو حرية الرأي أو حرية الفرد يمكن تعميمها، يقول لهم منير: إنها لا يمكن أن تنتزع من إطارها التاريخي والاجتماعي والاقتصادي القائم في الغرب، وبالتالي النماذج التي تخرج منها هي بالضرورة نماذج تابعة.

من هذا المنطلق كان من الضروري أن نأخذ موقفا نقديا بداية من هذا النظام الرأسمالي العالمي الذي قسم العالم إلى هاتين الحداثتين.. وهذا ينطبق على المؤسسة الاقتصادية وعلى الدولة في العالم الثالث، وعلى الجامعة، وعلى السوق، وعلى أنماط الحياة.. ولفت منير شفيق الأنظار إلى أن الصراع العالمي الذي تمثله الحداثة ليس فقط مع العالم الإسلامي، ولكن مع العالم كله، وبالتالي يجب أن نرى أن جوهر مشكلتنا موجود في العالم.

وفي هذا الصدد تطرق منير إلى الحديث عن الحداثة الاشتراكية التي تعتبر من بين الاتجاهات النقدية للحداثة الغربية، والتي حاولت أن تنقد الحداثة الرأسمالية. وتوقع المحاضر -مع نمو مناهضة العولمة في داخل الغرب- أن تبقى هنالك تيارات داخل الغرب تكافح ضد الحداثة في محاولة لنقدها. بمعنى أن هناك أيضا إشكالات من داخل الحداثة نفسها في الغرب وصراعات حقيقية، خصوصا أن هذه الحداثة سائرة ليس فقط إلى إلحاق دمار كبير بحياة شعوب كما حدث حتى الآن، وإنما سائرة بفلسفتها إلى تدمير البيئة. وهذا ما سيضاعف القوى والأوساط التي ستلعب دورا معارضا ومناقضا للحداثة..

بل حتى ما يسمى"ما بعد الحداثة"والحديث عن غياب المعنى و"اللامعنى"مؤشر على أن فلسفة الأنوار آيلة إلى الانهيار.. وبالتالي -كما يقول منير- لا بد أن تنشأ من داخل الغرب نفسه تيارات تجدد مرة أخرى نفسها لمواجهتها. ويرى أن التيار الماركسي/الاشتراكي يحاول أن يجدد نفسه مرة أخرى منذ ثلاث أو أربع سنوات؛ ليعود إلى الساحة من جديد. ويعتقد منير بأن هذا التيار سيكون واعدا أفضل من التيار الذي سبقه.

الطريق إلى الحداثة

والطريق -والكلام لشفيق- كي ندخل في نمط من أنماط الحداثة المناقضة لهذه الحداثة هو شن نضال عالمي ضد العولمة والنمط الحداثي الذي تريد أن تفرضه.

ولم يفت شفيق أن يشير إلى أن الحداثة الجديدة فيها رائحة صهيونية واضحة، يتجلى هذا في اتجاهات السياسة الأمريكية التي تتزعم هذه الحداثة العالمية بكل أوجهها في هذه المرحلة.. وأشار منير إلى أنه الآن أصبحت هناك محرمات في هذه الحداثة التي تفتخر بحرية التفكير والديمقراطية وحرية الرأي؛ إذ أصبح من الممنوع علينا أن نتحدث عن السياسات الإسرائيلية بذريعة"محاربة السامية"! إن هذه الحداثة -في تصور منير- تدخل طورا خطيرا ينسف كثيرا من القيم الحداثية التي بشر بها الكثيرون؛ فالديمقراطية في الغرب/أمريكا دخلت مأزقا، على الأقل منذ ثلاث سنوات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت