فهرس الكتاب

الصفحة 13257 من 27364

وتضع الدراسة ظاهرة عمرو خالد في سياق عالمي تأثر بهيمنة خطاب الليبرالية الجديدة عالميا وعلى كافة الأديان، فيرى أنها تقترب كثيرا من جماعات الإيمان الجديدة المسيحية التي انتشرت مؤخرا في الغرب في رفضها للمؤسسات الدينية التقليدية واستقلالها عنها، وفي طابعها الفردي المستقل البعيد عن الجماعية، وفي تركيزها أيضا على المشاعر والعواطف، فظاهرة عمرو خالد نشأت واستمرت بعيدا عن المؤسسات الدينية التقليدية، سواء أكانت رسمية (كالأزهر والأوقاف) أو غير رسمية كالمؤسسات الأهلية والتنظيمات الإسلامية الرئيسية (كالجمعية الشرعية، وأنصار السنة، والإخوان المسلمين...) فقد بدأ عمرو دروسه في أندية النخبة، ثم انتقل إلى بيوت الأغنياء ثم مساجدهم حتى تلقفته القنوات الفضائية الخاصة دون أن يرتبط بالمؤسسات أو التنظيمات السائدة والتقليدية، وكان في معظم الأحيان يعمل مستقلا أو بمساندة تيار التوبة الذي يمثله الفنانات المعتزلات وهو تيار منفصل أيضا عن التنظيمات والمؤسسات الدينية.

وجمهور عمرو خالد كان في مجمله من غير المؤطرين تنظيميا أو سياسيا، ويتشكل من مجموعات صغيرة أقرب إلى مفهوم الشلة (الذي تنتظم وفقه العلاقات بين أبناء النخبة) منه إلى مفهوم الجماعة والتنظيم؛ فحضور دروس عمرو كان دائما ما يتم عن طريق مجموعة الأصدقاء أو (الشلة) وهو جزء من تفاعلات العلاقة بين أعضاء هذه المجموعة التي مثلما تذهب لحضور دروس عمرو تذهب أيضا إلى المصيف والنادي والسينما وأداء العمرة في الأراضي المقدسة، وهذه الصيغة في العلاقة تعكس حاجة أبناء هذه المجموعات الصغيرة إلى التفاعل خارج مفهوم الجماعة بصورتها التي كانت تطرحها الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسيسة والتي قد تصل أحيانا إلى إلغاء الفرد ضمن صيغ جماعية أكثر تجريدا مثل (الأمة) وهو ما يظهر بوضوح في خطاب أسامة بن لادن وتنظيمه القاعدة.

أما الملمح الثالث للتشابه بين ظاهرة عمرو خالد وجماعات الإيمان الجديدة فهو التركيز على المشاعر والعواطف. فليس المهم عند عمرو تنفيذ وأداء الواجب الديني بل الأهم منه الإحساس به وهو ما يخالف الخطاب السلفي التقليدي الذي يركز على الشكل أولا، فعمرو خالد يركز على العواطف والأحاسيس ويقيم علاقة متداخلة بينه وبين جمهوره بحيث لا تسير الدروس في اتجاه واحد بل على أساس تفاعل وتبادل وتداخل فيأخذ رأيهم ويستبين مشاعرهم وأحاسيسهم، ويتجنب دائما إصدار أي حكم مباشر على أفراد جمهوره الذين كثيرا ما يخالفون المبادئ الإسلامية (مثل حضور الفتيات للصلاة والدرس بملابس غير ساترة وبدون حجاب) ، ويتعامل بإحساس الأخ الأكبر الذي يغلب روح الحب، ويرفض سياسة التخويف التي لا تتلاءم بدورها مع النفسية البرجوازية، وربما مع نفسية العصر أيضا.

وترصد الدراسة أن عمرو خالد يختلف مع كل ما هو تقليدي من الظاهرة الإسلامية، وأنه يجسد بشكله وهيئته وعمره وتعليمه وطبقته الاجتماعية خروجا على الصورة المستقرة للداعية الإسلامي، غير أن أهم ما اختلف به هو أسلوبه وطريقته التي تشبه -بحسب الدراسة- طريقة الاعتراف حيث يعطي لجمهوره الفرصة لإخراج داخلياته والتعبير عن خصوصياته بما فيها من أشياء لم يكن يسمح المجتمع التقليدي بالبوح بها، إلا أن هذا الاعتراف ليس في الصورة الكنسية المعروفة في الفكر المسيحي إذ إنه لا يصدر أحكاما غير المعترف.

وتؤكد الدراسة أن ظاهرة عمرو خالد والشيوخ الجدد مرشحة للتكرار ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي والإسلامي بفعل التفاعلات المستمرة والمكثفة بين الخطاب الإسلامي وبين قيم وأفكار وتوجهات الليبرالية الجديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت