فهرس الكتاب

الصفحة 13256 من 27364

وفي ضوء ذلك تتعامل الدراسة مع عمرو خالد باعتباره تجسيدا لخطاب إسلامي جديد لا ينفصل عن الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها ويعبر عن تطلعاتها، فعمرو لا ينفصل عن طبقته الأرستقراطية في خطابه الإسلامي في حكم كون أبيه طبيبا كبيرا في رئاسة الجمهورية وأمه حفيدة إبراهيم باشا عبد الهادي رئيس وزراء مصر الأسبق (قبيل الثورة المصرية 1952) ، وخطابه بالأساس رافض لانحلال الطبقة البرجوازية التي ينحدر منها، ولكنه أيضا متصالح مع هذه الطبقة، ويستجيب لرغباتها في تدين بمواصفات خاصة بها وبالشباب منها بصفة خاصة باعتباره الحلقة الأضعف من هذه الطبقة وهو تدين جديد؛ الدنيا حاضرة فيه بقوة وليست على صِدام مع الدين، كما لا يتعرض فيه البناء الاجتماعي للطبقة والعلاقات الأسرية إلى خلخلة أو تفسخ أو صدام بين أطرافه كما يحدث في التدين السلفي الذي تقدمه جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي.

ففي ظاهرة عمرو خالد يمكن للشاب البرجوازي أن يلتزم دينيا دون أن يعيد النظر في وضعه الاجتماعي أو في علاقاته الاجتماعية، ودون أن تضطرب أوضاعه الأسرية.

لقاء الليبرالية بالإسلام

وتنظر الدراسة إلى عمرو خالد ونظرائه ممن أطلق عليهم الشيوخ الجدد أمثال الحبيب الجفري وخالد الجندي.. إلخ باعتبارهم ظاهرة إسلامية جديدة هي نتاج لتفاعلات بين الخطاب الإسلامي والخطاب الليبرالي الجديد، وتقارن بين خطاب عمرو خالد من خلال تحليل مضمون درسه (الشباب والصيف) وبين خطاب الإصلاح البروتستانتي في أوائل القرن التاسع عشر لتتحدث عن أوجه تشابه كبيرة بينهما خاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى الثروة الاقتصادية، فخطاب عمرو خالد يتحدث عنها باعتبارها ليست عيبا أو ذنبا بل هي نعمة من الله، ويؤكد على ذلك في كل دروسه مبررا التراكم الاقتصادي الذي حققته الطبقة البرجوازية في السنوات الأخيرة ويعطيه الشرعية الدينية مشروطة بأداء حقه وهو خطاب موجه بالأساس إلى الطبقة المهيمنة أو الصاعدة اقتصاديا حتى في رؤيته للأخلاق والقيم الإسلامية، فالصبر مثلا في خطاب عمرو خالد يختلف عن الصبر في الخطاب الإسلامي التقليدي الذي يأخذ طابعا (قدريا) في حين يعني عند عمرو التواصل والاستمرار في العمل وتنظيم الوقت والمثابرة على النجاح... إلخ.

وتنظر الدراسة بناء على ذلك إلى ظاهرة عمرو خالد والشيوخ الجدد باعتبارها مرتبطة أيضا بمنطق السوق والقطاع الخاص إلى حد كبير، فدروس عمرو وزملائه تتم في نوادي النخبة والفنادق الفخمة وبعضها في مدينة دريم لاند التي تمثل صورة مصغرة لمجتمع النخبة الرأسمالية والتي يستدعي ذكرها اسم (ديزني لاند) أحد أشهر رموز الرأسمالية الغربية.

ومحاضرات عمرو وزملائه ودروسهم الدينية بضاعة تلفزيونية رائجة للقنوات الاستثمارية الخاصة مثل (دريم) و (إل بي سي) ، وصار هناك سوق اقتصادية كاملة وضخمة أنشئت وارتبطت بهذه الظاهرة الجديدة المستوعبة كاملا داخل العولمة على ما يراه باتريك هاني.

التصالح الديني والطبقي

ما اقترب منه الباحث ولم يقله أن المهم في ظاهرة الشيوخ الجدد هي الحالة التي يصنعونها وليس أشخاصهم ولا مضمون كلامهم. الحالة هنا هي الجو المحيط والوسيط الذي ينتقل عبره الكلام والجمهور الحاضر وهكذا.. فهذه الحالة تؤدي إلى تصالح شعوري بين الواقع المعيش وبين الدين الذي يمثل المرجعية الأساسية للشخص الحاضر المنتمي للبرجوازية الجديدة. ويصير السلوك الشخصي المعيش حياتيا المرفوض دينيا (مثل الاختلاط مع الفتيات غير المحجبات أو المحجبات والتعرف عليهن) سلوكا دينيا مطلوبا (فالشاب صار يدعو الفتاة للدين) .

وفي نفس الآن فإن الحالة التي يقدمها الشيخ المحاضر تجذب أيضا الشباب من الطبقات الفقيرة؛ لأنها تمثل لهم فرصة الانتماء للطبقات الصاعدة والغنية، أي فرصة للحراك الاجتماعي على المستوى التخيلي على الأقل. فمجرد الجلوس مع أفراد الشباب من الطبقات الغنية والاستماع للشيخ يعني الانتماء لنفس الجماعة؛ ومن ثم يخلق أيضا حالة التصالح الشعوري لديهم على المستوى الطبقي.

في موجة الإيمان الجديدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت