فهرس الكتاب

الصفحة 9541 من 27364

أبو إسلام أحمد عبد الله

لم تتعرف إفريقيا على عقيدة النصارى قبل السنوات الأخيرة التي شهدت نهاية الإمبراطورية الرومانية في شمال إفريقيا على يد المسلمين.

ومع أول عهد انتشار الإسلام في هذه المنطقة، لم يكن للنصارى غير مملكة قبطية في بلاد النوبة (شمال أم درمان بالسودان) كانت تسمى مملكة ميروي (Me r oe) رفضت دعوة التوحيد، وظلت على شركها في ظل الدولة الإسلامية، حتى عام 1405م نصرانية، عندما هاجمتها قبائل الفونج الوثنية فقضت عليها، لتعود إفريقيا مرة أخرى بين وثنية تجذرت بجهالاتها وبين عقيدة إسلامية تنتشر كنسمات الربيع التي يفوح عبقها مع موجات الهواء البارد لترطب من حرارة خط الاستواء في قلوب الأفارقة المهتدين، بدون إرساليات طبية أو بعثات تعليمية أو خطط تنصيرية أو احتلال أرض أو عبودية بشر، أو جيوش لا تعرف غير الظلم وسفك الدماء.

كانت إفريقيا بالنسبة للنصارى عندما هجموا عليها كقطعة لحم جافة تسابقت إليها الكلاب لتنهش منها ما يسد نهمها، لم تكن الغاية هي المسيح، ولا رب المسيح، ولا المسيح الرب (عندهم) ، إنما كانت توسيع رقعة النفوذ في مواجهة الصراعات السياسية والعقدية التي سيطرت على كل أنحاء أوروبا، وممارسة حياة البلطجة وقطع الطرق والسرقة التي كانت تجتاح كل بلاد الغرب، إلى أن بدأت سياسة احتلال البلاد في إفريقيا و آسيا، ونهب ثرواتها واستعباد شعوبها، فيما يعرف بالحملات الاستكشافية أولاً، ثم الحملات الصليبية بعد ذلك.

وتحت ظل هذه الحملات تحركت الكنيسة الكاثوليكية من فرنسا ثم من بلجيكا و البرتغال و ألمانيا و إيطاليا و أسبانيا، كما تحركت الكنيسة البروتستانتية الإصلاحية من إنجلترا ثم فرنسا و سويسرا وألمانيا و إسكندناوا و أمريكا، جاعلة لنفسها مقراً دولياً في منطقة جنوب إفريقيا.

ومن أشهر طوائف البروتستانتية الذين نشطوا في قارة إفريقيا عموماً هم الإنجيليكان، والميثودست، والبرزبيتاريان ثم اللوثرية وجمعيات الباتست Baptistes والأدفنتست Adventistes وبرج المراقبة Watch Towe r المعروفة بجماعة شهود يَهْوَه وهي الجماعة الوحيدة التي حالت الكنائس البلجيكية وحكوماتها دون السماح لها بالدعوة في منطقة الكونغو حتى اليوم.

وقد أدت هذه التعددية اللامحدودة في مذاهب وملل واعتقادات النصارى التي هرعت إلى الأرض الجديدة، إلى إثارة الفتن والعصبية وإشعال الحروب الضارية بين القبائل الإفريقية على مستويين:

ففي الداخل بين من ترك الوثنية إلى النصرانية أو اعتنق مذهباً نصرانياً يخالف مذهب الآخر، لا داخل القبيلة فحسب، إنما داخل الأسرة الواحدة وداخل العشيرة الواحدة، بين الأب وأبنائه، وبين الأشقاء، وبين الزوج وأصهاره.

وفي الخارج: بين القبائل بعضها مع بعض لارتداد بعضها عن الوثنية، أو لاختلاف المذاهب والملل التي اعتنقوها مجدداً من النصرانية.

وهكذا سالت دماء المئات والألوف من أبناء إفريقيا بأيديهم ثمن هذه الفتنة، إلى أن لجأت كل الإرساليات النصرانية إلى أسلوب جديد، يحافظ على الطقوس والعبادات الوثنية التي تربط بين القبائل بعضها ببعض، والإبقاء عليها إلى جانب طقوس النصرانية وعباداتها، وإن اختلف ذلك عن أصولهم العقدية، وهو ما وصفوه بالنسبة للنصراني الزنجي الجديد بكلمتي « الموت الذاتي » أو « الاحتضار المعنوي » للدلالة على خطورة ذلك الانقلاب في حياة الرجل الإفريقي.

ولكن برغم الجهود الجبارة التي بُذِلَت، والأموال الطائلة التي أنفقت، وعشرات الأرواح التي أُزهقت بين المنصرين بسبب الأمراض التي كانت تنتشر في البلاد الإفريقية، فإن حصاد النصرانية كان شيئاً لا يذكر ولا يتناسب مع الجهود والأموال والتضحيات التي خسرتها الكنائس وإرسالياتها، حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

إذ مع الحرب العالمية الأولى على وجه الخصوص، ولأسباب سياسية وعسكرية واقتصادية متعددة، يمكن القول إن النصرانية بدأت تجني ثمار كل السنوات السابقة، وأن تعيد الحيوية إلى البذور التي تناثرت هنا وهناك وحافظت على بقايا طقوس تنتمي إلى عقيدة النصارى بشكل مباشر أو غير مباشر.

مع بداية القرن العشرين تنبهت الكنائس الغربية إلى أخطائها في أساليب الدعوة على سواحل إفريقيا، ففرضت على أعضاء البعثات والإرساليات اتباع خطط مرسومة تقضي بدراسة تلك البيئات دراسة شاملة، وتَفَهُّم نظمها الاجتماعية وعاداتها وتقاليدها ولغاتها.

كما فرضت على الأعضاء ضرورة الاختلاط بالسكان وقبول بعض طقوسهم الدينية الوثنية وتقديرها بما يرضي الوثنيين، بل ومحاولة إيجاد مساحة لذلك القبول في العقيدة النصرانية، وعدم العمل على محوها، إنما التغلغل فيها والاستفادة من أي بذور صالحة بها، وقبول بعض العادات الوثنية واعتبارها عادات نصرانية تحتفل بها الكنيسة.

كما تنبهت الكنيسة الغربية إلى ضرورة إعداد وتدريب وتعيين قسس من الإفريقيين، وإنشاء مدارس ومعاهد لهذا الهدف بدعم مباشر من بابا روما بيوس الحادي عشر، ثم بيوس الثاني عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت