فهرس الكتاب

الصفحة 9542 من 27364

لكن كلمات هوبير ديشان [1] ما زالت تحفر حروفها في عقل الكنيسة الغربية يوم أن قال: « لكن كسب الإسلام لأقوام جديدة ما زال يندفع كالسيل يكتسح ما أمامه، وامتداده في المناطق العريضة نحو الشمال وإلى الشرق رائع حقاً، أما مطاياه إليها فكانت اللغات الواسعة الانتشار في التفاهم، وهي لغات قبائل أولوف و بيل و ماندانج و هوزا و السواحلية.

ثم يقرر ديشان قائلاً: « وسوف تظل المواجهة بين الإسلام والنصرانية في إفريقيا، وسوف تظل أيضاً مصائر هذه القارة متوقفة على إجابة السؤال: ترى أيهما ينتصر؟ الإسلام الشرقي أو المسيحية الغربية » [2] .

الإرساليات الأولى على سواحل إفريقيا:

في العام 1491م أعلن أول ملك من ملوك إفريقيا اعتناقه للعقيدة النصرانية وهو ملك الكونغو، الذي مات بعد تنصُّره مباشرة، وخلفه على العرش ابنه، فعمّدته إحدى الإرساليات التنصيرية باسم « ألفونسو » وزَّوجته واحدة من بناتها، فلما أنجب « ألفونسو » ولداً منحه منصب أسقف عام الكونغو، وأصدر قراراً بتغيير اسم العاصمة من بانزا كونغوا Mbanza Congo إلى اسم ساو سلفادور إحدى المناطق الشمالية بأنجولا الآن، وأعد مجموعة من أهالي البلاد للدعوة إلى دين النصرانية ومنحهم رتبة القساوسة.

في العام 1610م أسس البرتغاليون أسقفية نصرانية في مدينة لواندا Loanda على ساحل أنجولا الشمالي، لكنها لم تحرز أدنى نجاح في أداء مهمتها فأغلقت أبوابها على من فيها لعدة سنوات، ثم بيعت بعد ذلك.

في العام 1630م اعتنق زعيم مومباسا Mombaz (ممبسة) على الساحل الشرقي لكينيا عقيدة النصرانية، لكنه سرعان ما رجع عنها واعتنق دين الإسلام.

في العام 1651م أعلن مونوموتابا Monomotapa ملك موزمبيق تركه للوثنية واعتناقه للنصرانية، استجابة لدعوة إرساليتين إنجيليتين كانتا قد استقرتا في حوض نهر زامبيزي، إحداهما يسوعية والأخرى دومينيكانية، أغدقا عليه الأموال، وسارا معه في استخدام الأرواح التي كان يعتقد بها في وثنيته.

وفي العام 1665م أتت هجمة تنصيرية بروتستانتية من هولندا إلى سواحل جنوب إفريقيا، فقامت بتدمير جميع المؤسسات والكنائس والإرساليات التي كان قد أسسها البرتغاليون من قبل، ثم وضعوا أيديهم على منطقة رأس الرجاء الصالح؛ حيث نزل على أرضها أول قسيس بروتستانتي، لا ينافسه قسيس آخر من أي ملّة نصرانية أخرى.

وهكذا، منذ بداية القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن السابع عشر النصراني وبداية القرن الثامن عشر، بقيت الدعوة السائدة بين وثنيات إفريقيا الجنوبية، هي دعوة الإسلام، لإخراج الناس من ظلمات الجهل والجاهلية وعبادة الأمطار والأنهار والجن والأحجار إلى عبادة الواحد القهار، وبقي الوجود النصراني محصوراً ومحاصراً في بقع محدودة للغاية.

ويعلن هوبير ديشان مؤلف كتاب الديانات في إفريقيا السوداء [3] قائلاً: « لكن تلك الجهود كلها، قضى عليها اضطراب الأحوال السياسية، والثورات، والجيوش التي كان يستعين بها تجار الرقيق، وارتداد الكثيرين إلى عقائدهم الوثنية القديمة، ولم يبق من كل ذلك إلا علامة الصليب التي اندمجت في المراسيم الوثنية » .

مائة عام بلا حصاد:

مع بداية القرن الثامن عشر دخل الأسبان ميدان التنصير، بعد ما سمي بثورة الإصلاح في فرنسا عام 1769م ثم في أوروبا كلها، ورحلت عدة بعثات تنصيرية كقوافل طبية وتجارية إلى عدة مناطق، ولاقت إقبالاً كبيراً من بعض الملوك الوثنيين، وبقايا من النصارى والمتنصرين.

فقد وجه الملك ألادا Allada ملك داهومي (بنين) الدعوة إلى إحدى هذه البعثات، لتنشيط حركة التجارة في بلاده؛ فلما استوضح غرض البعثة وهي التنصير طردها من بلاده وأوقف كل نشاط مع الهيئات الأوروبية.

فلجأت بعثة تنصيرية فرنسية إلى أسلوب آخر، وهو دعوة الملوك أو أبنائهم لزيارة فرنسا، فدعت أنيابا Aniaba ابن أمير ساحل العاج، لزيارة الكنيسة الفرنسية الكبرى، بمدينة سايل، حيث أعلن الابن نصرانيته وخضع للتعميد الذي قام به القس الشهير بوسيويه Bossuet، فكان لذلك الحدث رد فعل كبير لدى السلطة الكنسية الفرنسية، التي استضافته في قصر الملك لويس الرابع عشر، حيث أعلن الابن اتخاذ الملك أباً روحياً له، فلما عاد أنيابا إلى بلاده ساحل العاج، أعلن ارتداده عن النصرانية والعودة إلى الوثنية دين آبائه.

ومثلما فعل نصارى البرتغال وهولندا وفرنسا، حاولت الكنيسة الألمانية أن تحقق شيئاً في مواجهة المد الإسلامي بإفريقيا، فاختارت العمل بين قبائل تعرف بالهوتنتوت ولكنها لم تحقق أي نجاح.

ويقول هوبير ديشان: « حتى نهاية القرن الثامن عشر كان تعداد النصارى في كل أرجاء إفريقيا عشرين ألفاً من البيض، وبضع مئات من العبيد، ومع بداية القرن التاسع عشر لم يكن للنصرانية قدم ثابتة في مكان ما في إفريقيا السوداء، إذا استثنينا نقطاً ضئيلة على الساحل » [4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت