للشيخ/ فيصل الجاسم
تهذيب واختصار سليمان بن صالح الخراشي
كتب الشيخ فيصل الجاسم - وفقه الله - كتابًا قيمًا بعنوان ( كشف الشبهات في مسائل العهد والجهاد ) ، تعرض فيه لشبهات الطابور السادس في تجويزهم قتل المعاهدين والمستأمنين ، وتجويزهم غدر المسلم بالدول الكافرة والقيام بعمليات التفجير والقتل على أراضيها التي دخلها بأمان منهم .
وقد أحببت نقل رده على شبهات الطابور السادس في هذه المسألة ؛ لتكون مجموعة أولى في الرد على شبهاتهم .. يتلوها إن شاء الله مجموعات أخرى في مقدمتها شبهاتهم في تجويز قتل رجال الأمن ؛ كما حصل مؤخرًا منهم .. نسأل الله لهم الهداية .
قال الشيخ فيصل:
-( الشبهة الأولى: أن حاكم المسلمين لا يصح عهده للكافرين ولا أمانه لهم إلا إذا كان يحكم بكل الشريعة . فإن ترك الحكم ببعض الشريعة وحكم بغير ما أنزل الله فلا يصح عهده ولا أمانه ؛ لأنه كافر فلا تعصم بعهده ولا بأمانة دماء الكافرين .
وهذه الشبهة هي عمدة شبههم التي يدندنون حولها . وهي تدل على جهل واضح بالكتاب والسنة ونصوص الأئمة . وإليك الرد على هذه الشبهة من عشرة أوجه:
( الوجه الأول ) : أن العلماء الثقات في هذا العصر اختلفوا في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله فمنهم من قال بأنه لا يكفر إلا إذا استحل ذلك ، كما نص على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله حيث قال:"أما القوانين التي تخالف الشرع فلا يجوز سنها ، فإذا سن قانوناً يتضمن أنه لا حد على الزاني أو حد على السارق أو لا حد على شارب الخمر ، فهذا قانون باطل ، وإذا استحله الوالي كفر لكونه استحل ما يخالف النص والإجماع ، وهكذا كل من استحل ما حرم الله من المحرمات المجمع عليها فهو يكفر بذلك" [1]
وقال في رسالة"حكم من درس القوانين الوضعية أو تولى تدريسها":
"القسم الثاني: من يدرس القوانين أو يتولى تدريسها ليحكم بها ، أو ليعين غيره على ذلك ، مع إيمانه بتحريم الحكم بغير ما أنزل الله ، ولكن حمله الهوى أو حب المال على ذلك ، فأصحاب هذا القسم لا شك فساق وفيهم كفر وظلم وفسق لكنه كفر أصغر وظلم أصغر وفسق أصغر لا يخرجون به من دائرة الإسلام ، وهذا القول هو المعروف بين أهل العلم وهو قول ابن عباس وطاووس وعطاء ومجاهد وجمع من السلف والخلف كما ذكر الحافظ ابن كثير والبغوي والقرطبي وغيرهم ، وذكر معناه العلامة ابن القيم رحمه الله في كتاب"الصلاة"وللشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله رسالة جيدة في هذه المسألة مطبوعة في المجلد الثالث من مجموعة"الرسائل" [2] "
واختار بعضهم كفره ولو لم يستحل ذلك . ( انظر رسالة الشيخ عبدالرحمن المحمود: الحكم بغير ما أنزل الله ) .
وعلى هذا فإننا لو تنزلنا وقلنا بترجيح قول من كفر الحاكم بغير ما أنزل الله من غير استحلال ، فإن المسألة تبقى مسألة خلاف بين أهل العلم ، كما اختلفوا في تارك الزكاة والصيام والحج .
والقاعدة النبوية التي أصلها محمد بن عبد ا صلى الله عليه وسلم تقرر بأن مسائل الخروج وما يترتب عليها من إبطال العهود والمواثيق لا تكون إلا على كفر لا يختلف فيه المسلمون ، وهو الذي وصفه بقوله"إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان"أي حجة واضحة بينة لا يختلف فيها عالم .
أما أن نلزم الناس بالأحكام المترتبة على كفر الحاكم بناء على ترجيحنا للقول بكفره ، فهذا من الضلال المبين .
والحكم على الحكام والأئمة في مسائل الكفر والإيمان المختلف فيها يختلف عن الحكم بها على آحاد الرعية .
( الوجه الثاني ) : أن يقال لا أقل من أن ينزل من حكم بغير ما أنزل الله من الحكام منزلة الخوارج ، من حيث اختلاف العلماء في كفرهم ، وظاهر الأحاديث يدل على كفر الخوارج ، ومع ذلك أمضى العلماء عهود الخوارج وأمانهم وأجازوا دفع الزكاة إليهم إذا غلبوا .
قال ابن عمر:"تدفع ـ أي الزكاة ـ لمن غلب"
ونص على ذلك أحمد رحمه الله
بل إن العلماء نصوا صراحة على صحة صلحهم للكفار وعهدهم .
فقال سحنون:"وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز" [3]
وقال محمد بن الحسن:"وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز كأمان أهل العدل" [4]
وهذا في حق الأمان الذي يكون من آحاد الرعية ، فكيف بالعهد العام للكفار الذي لا يكون إلا من الحاكم ؟!
ولا أعلم أحداً من العلماء أبطل صلح الخوارج لأهل الحرب ، بل ولا صلح من لم يختلف في كفرهم كالعبيديين وكثير من دول الرافضة المارقة كالسامانيين والبويهيين .
ذلك لأن صلح الكافر للكافر جائز .
قال أحد علماء الدعوة النجدية"الدرر 10/338":"يصح أمان الكفار بعضهم لبعض ولغيرهم بالكتاب والسنة والاعتبار".