فهرس الكتاب

الصفحة 8377 من 27364

الشرق الأوسط: من الاستعمار التقليدي إلى التعريف الأمريكي

مجدي رياض**

لم يكن مفهوم الشرق الأوسط سوى تعبير عن المنظور الاستعماري في العصر البريطاني، ورؤية العالم ومناطق النفوذ من زاوية المركز الأوربي؛ وفي الوقت ذاته نفي لأي تسمية أو مشروع لتوحيد الوطن العربي؛ ومن هنا كان تعبير الشرق الأدنى مرادفا للدول العربية الواقعة فيما يسمى بالهلال الخصيب، واختلفت دلالة مفهوم الشرق الأوسط قبيل وأثناء الحرب العالمية الثانية عن دلالته بعد الحرب.

وإذا كان المفهوم قد شهد انتشارا متعمدا في العصر الأمريكي فقد اعتراه إضافات عديدة، حتى استقر في المفهوم الأخير تحت عنوان"الشرق الأوسط الكبير". وإلى جانب هذا الاتساع في الدلالة شهد أيضا انقلابا في الأدوار؛ فبينما كان العصر البريطاني يركز على قناة السويس ومصر، أصبح العصر الأمريكي يركز على النفط والخليج. فالتقارير الإستراتيجية الأمريكية -منذ السبعينيات- تتحدث عن خطط التحرك والبدائل المختلفة للسيطرة على منطقة الخليج لضمان إمدادات البترول. وتزايدت هذه الدراسات في إعدادها وحدة لغتها منذ قيام الثورة الإيرانية وإسقاط الشاه؛ وغطت حقبة الثمانينيات، وصولا إلى العمل العسكري في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة؛ ثم في تقديم مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي نجد أبعاده العسكرية والسياسية والاقتصادية في تقرير مجموعة الدراسة الرئاسية المقدم في عام 2000، والذي شمل توصيات بالخطوات التي ينبغي اتباعها بالشرق الأوسط من المجموعة الرئاسية الجديدة!!

الانقلاب الجيوبولوتيكي

إن التركيز على الخليج العربي ودوائره الحيوية والمحيطة به لم تكن رغبة عابرة، ولم يكن صدفة. فمن المعروف أن تأمين الثروة والقوة بالنسبة للولايات المتحدة يرتبط بالتحكم عالميا بسوق النفط ومشتقاته؛ هذا التأمين يشكل أحد المفاتيح الرئيسة في إستراتيجيتها الكونية منذ عام 1945؛ فسيطرتها على تدفق النفط وفر لها الانطلاق الاقتصادي، وتأمين النظام الاقتصادي العالمي وهي نقطة المركز فيه.

لقد كانت الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية مكتفية ذاتيا بالنسبة الطاقة؛ لكنها تحولت الآن إلى المستهلك العالمي الأول؛ حيث تمثل 4.6% من سكان العالم، بينما تستهلك ربع إنتاج النفط في العالم. وفي الوقت ذاته -وكما يشدد بعض المحللين الأمريكيين- فإنها لا تزال تستورد 24% من احتياجاتها من نفط الشرق الأوسط. صحيح أن النسبة أقل من نسبتها قبل حرب أكتوبر1973، ولكنها أكثر بنسبة الثلث قياسا بالسنوات القليلة الماضية؛ وهو ما يعنى بالنسبة للعقلية الحاكمة بواشنطن، وللمخططين الإستراتيجيين بها، عدم السيطرة الجازمة في سوق النفط العالمية.

إن الباحث عن توجهات السياسة الاستعمارية بعد الثورة البترولية أو ما سمي بالانقلاب الجيوبوليتيكي/الإستراتيجي على حد تعبير العالم الرحل د.جمال حمدان في مطلع الثمانينيات -وذلك في كتابه القيم"إستراتيجية الاستعمار والتحرير"- يستطيع بالقراءة لتلك الكتابات القيمة أن يستشف معادلة البترول والخليج، ودخولهما في صلب الإستراتيجية الاستعمارية الأمريكية. فمنذ أن أصبح الخليج المستودع الأول لمخزون البترول بالعالم تحول تدريجيا ليصبح محور السياسات والصراعات. من هنا كانت المعادلة أو المتتالية التكنولوجية الإستراتيجية الجيوبوليتيكية في عصر بريطانيا هي: الفحم، السكة الحديدية، الباخرة، قناة السويس، مصر، الاستعمار القديم، صراع الإمبراطوريات، ولكن هذه المتتالية تحولت في العصر الأمريكي إلى: البترول، السيارة، الناقلات، الخليج العربي، الاستعمار الجديد، صراع الكتلتين. وإذا كان الحديث للدكتور حمدان في بداية الثمانينيات فما بالنا الآن بعد انهيار الكتلة الثانية، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم ولو مؤقتا؟ إن أهمية التنبيه/التحليل الحمداني تكمن في تحديده لاتجاه البوصلة الإستراتيجية الاستعمارية مبكرا، والتي تذبذبت (من الغرب إلى الشرق، من قناة السويس إلى الخليج العربي) . وهكذا بعد أن كان الخليج محطة على طريق السويس إلى الهند انزلقت -ولا نقول انزوت- القناة إلى ممر على طريق البترول إلى الخليج.

إن هذا التبدل في اتجاه البوصلة نحو الموقع/الإقليم، وما يفرضه ذلك على الصراع والإستراتيجية، ولانتقال مركز الثقل الإستراتيجي وهو ما يدفع بالضرورة إلى تحجيم أدوار وتضخيم أدوار لإقليم أو دول، وما تحتويه من ممرات صناعية أو بحيرات وخلجان طبيعية. فبعد أن كانت السويس كبيرة والخليج صغيرًا من الوجهة الإستراتيجية، انقلبت الموازين واختلت... فأصبح الخليج كبيرًا جدًا والسويس صغيرة نسبيًا، بل وورث الخليج ومضيقه دور وموقع مصر وقناتها إلى حد بعيد جغرافيا وإستراتيجيًا؛ ومن هنا لم يكن غريبا وقوع ثلاث حروب على ضفاف الخليج وحوله، ولواشنطن يد فيها خفية أو علانية منذ الثمانينيات، وحتى الآن.. هذا إلى جانب حربها بأفغانستان.

إعادة تعريف الشرق الأوسط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت