فهرس الكتاب
سالم مبارك الفلق
شن الإسلام حرباً شعواء على الشائعات وافتراء الأكاذيب لما لها من أثر سيء في تشويه الحقائق و جرح المستورين و هتك الأعراض , وعدها من أقبح المنكرات والآثام . روت عائشة أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (( أتدرون أربى الربا عند الله ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال: فإن أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم , ثم قرأ رسول ا صلى الله عليه وسلم"والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبينا") ) [1] ؛ لأن التلهي بسرد الفضائح و كشف الستور والافتراء على الأبرياء وإبداء العورات متنفس حقد مكظوم وصدر فقير الى الرحمة والصفاء , عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ا صلى الله عليه وسلم قال: (( أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . قال: ذكرك أخاك بما يكره . قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته . وان لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه ) ) [2] هذا على مستوى الأفراد فكيف بشخص الرسو صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة المهداة وأفضل خلق الله , قال تعالى: (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ). ولعل من المسلمين فئام ممن انخدعوا بحضارة الغرب يحبون الاصطياد في المياه العكرة , ويستعذبون الخوض في مستنقعات الإفك , ويحلو لهم أكل لحوم الآخرين توعدهم الله بالعذاب في الدنيا والآخرة , قال تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) ) [3] وقال تعالى: (( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) ) [4] .
لم يواجه دين من الأديان ولا عقيدة من العقائد مثل ما واجه الإسلام من تحديات منذ فجر تاريخه فقد تصدى لتهم المشركين في مكة وخزعبلات اليهود في المدينة , كما واجه وثنيات الفرس وانحرافات الروم وفلسفات الهند والصين , وثبت أمام هذه التحديات وانتصر عليها ؛ لأن المجتمع الإسلامي آنذاك كان يعي أخطار الأفكار التي يطرحها الفلاسفة والزنادقة وعيا كاملاً فأخذ يكشف زيفها ويبين ما انطوت عليه قلوبهم من كيد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم
والحق أن حضارة العرب تعرضت للتشويه حتى قبل ظهور الإسلام يقول المستشرق الفرنسي بيير روسي في كتابه"مدينة ايزيس التاريخ الحقيقي للعرب":"إننا باختصار في جهل مطبق، جهل علمي متفق عليه، وإن الأمر سيكون بسيطاً جداً فيما لو أننا تكلمنا بدلا من الساميين الأبطال المختلقين من أصل خيالي، لو أننا تكلمنا عن العرب ذلك الشعب الحقيقي، والذي يمتلك وجوداً اجتماعياً مستمراً وجوداً ثقافياً ولغوياً يعطي حياة وتوازناً لهذا البحر المتوسط منذ عدة آلاف من السنين".
لقد فشلت الحروب الصليبية من الناحية الحربية , ولكن بقي الغزو الفكري ينفث السموم , ويثير الشكوك , وبقيت النزعة الصليبية تتوارى خلف ستار من الدبلوماسية والرياء السياسي .. واستمات الغرب الصليبي في بث الشائعات ذات اليمين وذات الشمال , وافتراء الأكاذيب وطمس الحقائق وتدبير المكائد , ثم يزعمون أنهم أرباب الديمقراطية وسادة الإنسانية . و الدراسة الموضوعية والمتأنية للكتابات الاستشراقية في العصر الحديث منذ القرن التاسع عشر حتى الآن لتؤكد غلبة موقفهم المهاجم والمعادي من الرسو صلى الله عليه وسلم ومن القرآن الكريم . حيث نقلوا صورة العالم الإسلامي من وجهة نظرهم إلى العالم الغربي ؛ لأن الاستشراق بدأ بأهداف ودوافع دينية بحته، ناتجة من خوف الكنيسة الغربية من الانتشار السريع للدين الإسلامي في كافة أرجاء العالم القديم فقام المستشرقون خلال هذه الفترة الطويلة زمنياً بترجمة الكثير من تراث المسلمين في كل مجالات سواء كانت الدينية أو الثقافية أو التاريخية أو الفلسفية أو الاجتماعية أو العلوم التقنية العملية كالكيمياء والفيزياء والطب والرياضيات وغيرها تلك الدراسات كانت تحذيراً للغربيين من خطر مخيف بالنسبة لهم وهو خطر الإسلام، هكذا كانت الصورة تعرض فجاءت دراساتهم بعيدة عن الدقة و الموضوعية مشحونة بالتشويه المتعمد بهدف نشر الإيديولوجية الاستعمارية وأخذت موقف الإنكار للرسالة والتكذيب للرسو صلى الله عليه وسلم وإثارة الشبهات حول الإسلام بوجه عام، وحول القرآن والرسول صلى الله عليه وسلم بوجه خاص.
إن هذا الحقد , والمقت , والكره كان سبباً قوياً في الإغارة على الإسلام وعصوره بشتى الأساليب والألوان والإشكال , وما زالت أمواجه تعلو وتشتد ثقافياً وفكرياً وإعلامياً لتخريب قواعد الإسلام , وتشويه صورة الرسو صلى الله عليه وسلم , وزعزعة ثقة المسلمين في الصحابة والقضاء على آخر معاقل المسلمين في الأخلاق والأسرة .