فهرس الكتاب
الخطبة الأولى
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ الله من شرور النفس وسيء العمل، من هدى اللهُ فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على نهجهم وأقتفى أثرهم على يوم الدين، أمّا بعد:
أيها المسلمون:
فإن لهذه الأمة خصائص تميزها، ومزايا تخصها، تنفرد بها عن غيرها من الأمم، ولا عجب! فهي الأمة الوسط، والأمة المجتباة.
وهي الأمة المختارة، لتكون شاهدة على الأمم، مقدمة على الشعوب.
هذه المرتبة المتميزة، والمكانة المتسنمة فوق القمم، لم تكن لتحدث هكذا اعتباطاً!
فهي ليست لسواد في أعين أبنائها، ولا لفتوة في مناكب شبابها، ولكن: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) . [سورة آل عمران، الآية: 110] .
لذا حُظيت الأمة برفعة المنزلة، وفازت بقصب السبق، وتسنمت علو المقام!.
ولنا أن نتساءل:
أما زالت الأمة محتفظة بأسباب رفعتها، ومناط عزها وفخرها؟!.
أما زالت سفينة النجاة محتفظة بتوازنها، متحصنة ممن يريدون خرقها، ويجتهد في إغراقها؟!
أيها الأخ الكريم:
ستجيبك تلك الجموع الهائلة حول الأضرحة والمشاهد؛ تستغيث بغير الله سبحانه، وتنزل حوائجها بمن لا يملك نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً!.
وستجيبك جموع المتخلفين عن الصلوات المكتوبة! المنشغلين عنها بسفاسف الأمور، وخيبة الدهور!.
ستجيبك، تلك الأجساد العارية على شواطئ البحار، وضفاف الأنهار، باسم الترفية والاستجمام!.
ستجيبك حانات الخمور، وملاعب القمار ودور السينما، ومراتع الفساد المنتشرة في كثير من بلاد المسلمين!.
ستجيبك تلك الأجيال الهزيلة، من ذوى الاهتمامات التافهة، والهوايات السخيفة، والتي لا تتعدى في مجموعها صقل الوجوه وتلميعها، وتصفيف الشعور وتسريحها ومتابعة الكرة والتصفيق لها!.
أيها المسلمون:
هذه بعض الثمرات المرّة في بعض ديار المسلمين، والتي برزت يوم عُطّلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!.
فقد أصبح كل صاحب هوى حراً في فعل ما يشاء! في الوقت الذي يشاء، دون حسيب أو رقيب!
وأمام هذه الإسفاف، يتساءل المسلم الغيور: ماذا تراه يصنع أمام هذا الطوفان الجارف؟!.
أتراه يقف مكتوف اليدين، متمتماً بالحوقلة، ملقياً بالتبعة على غيره؟! ومردداً:
ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم …وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلْدِ الأجربِ
يتأكَّلُونَ مغالةً وخِيَانَةً …ويُعابُ قائلُهم وإنْ لم يَشْغَبِ.
أم تراه سيجفل إلى أهله مردداً بينة وبين نفسه: أملك عليك لسانك، وابك على خطيئتك وليسعك بيتك؟!.
أيها الغيور على محارم الله:
إن الإجابة ستجدها في قوله جل جلاله: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ) . [سورة هود، الآية: 116] .
وستجدها في قوله عليه السلام:"والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله، أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".
أمّة الإسلام:
إن السبيل الوحيد للحفاظ على بيضة الأمة وتماسكها في عقائدها وأخلاقها وقيمها ومبادئها يكمن في إقامة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق منهاج النبوة، دون أن تغرنا صولة الباطل وجولته وبريقه ولمعانه!.
فمتى تضافرت الجهود، وحسنت النوايا، وصدقت العزائم، انكمش الشر وانزوى، ثم تلاشى وانطفأ!
واقرأ إن شئت قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) . [سورة الأنبياء، الآية: 18] . وقوله: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) . [سورة الرعد، الآية: 17] .
أيها المسلمون:
كم يخطي البعض حين يلجأون إلى المقاييس المادية، ويعقدون المقارنات الحسية بين الباطل وكثرة سواده، وبين الحق وأهله الغرباء؟!.
فاللجأ إلى مثل هذه المقاييس خطأ فادح وغلط كبير؛ يشلّ الحركة، ويثبّط الهمم، ويفتر الحماس، ويبعثر الجهود، ويعطل مسيرة البناء، فالصراع بين الفضيلة والرذيلة لا يخضع أبداً لتلك المقاييس الأرضية ولا لتلك المعايير الحسية، وإلا لما ذاق المسلمون حلاوة النصر في بدر والقادسية وعين جالوت، وغيرها من الملاحم التي خاضها أسود الشرى ونمور الورى.
ولو كان الصراع يخضع لحساب العدد والعدة، لما خاض داعية غمار الدعوة إلى الله، ولما سابق مصلح في مضمار الذب عن دين الله.
هذا الإمام المجدد شيخ الإسلام قدس الله روحه، يرفع لواء السلفية في نجد وحيداً فريداً يوم كانت نجد بؤرة الإلحاد, ومستنقع الوثنية!
يوم كانت عبادة القبور، وتعظيم الأحجار والأشجار على قدم وساق!!