فهرس الكتاب

الصفحة 18512 من 27364

لقد رفع هذا الإمام البطل لواء دعوته، وجاهد تلك النماذج من البشر غير هيّاب ولا وجل! ووقف راسخ القدمين إمام إعصار الفساد المدمر، مستعيناً بالله، متوكلاً عليه حتى قيض الله له من يسانده ويقف معه في خندق واحد، حتى تحققت المعجزة، وتجسد الحلم حقيقة فوق ارض الواقع!.

نعم، زهق الباطل، وعادت نجد دوحة الإسلام ومعقل التوحيد، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

هذا أنموذج واحد وغيره كثير!.

إذاً فالصراع بين الحق والباطل، وبين الفضيلة والرذيلة! ليس بخاضع أبداً إلى حسابات من نوع: (1 + 1 = 2) وإنما يخضع لمثل قوله تعالى: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) . [سورة آل عمران، الآية: 120] .

ولمثل قوله: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ) . [سورة البقرة، الآية: 249] .

ولمثل قوله جل جلاله: (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ * فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ * وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) . [سورة الزخرف، الآيات: 55- 58] . وغيرها من الآيات الواضحات البينات، التي تؤكد أن العاقبة للتقوى، وأنّ المستقبل للإسلام، وأنّ القوة لله جميعاً، وأنّ الله شديد العذاب.

أيها الأحبة في الله:

إنّ قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليست قضية خاضعة للبحث والمناقشة، وليست خاضعة لتبادل وجهات النظر: هل تكون أو لا تكون؟!.

إنها قضية محسومة سلفاً باعتبارها ركيزة من ركائز الدين وعموداً من أعمدة الإسلام، وما ذلك إلا لكون المنكر ليس مجرد مسألة شخصية تتعلق بشخص المنكر، أو بشخصية المنكر عليه!

كلا، ولكن المسألة لها علاقة جدّ وثيقة بكيان الأمة كلها، فشيوع المخالفات الشرعية ضرب للأمة في الصميم، وتمزيق لوحدتها دون شك أو تردد، وحديث السفينة المشهور شاهد حيّ بأن اثر المنكر يتجاوز خير صاحبه ليمتد بشؤمه وأثره البغيض، فيغمر المجتمع كله بظلاله القاتمة السوداء.

فحين تتخرّق السفينة فلن يميز الطوفان الجارف بين من خرقها ومن لم يخرقها، فالجميع سيُدفن تحت أمواجه العاتية!.

لقد ظل أنس - رضي الله عنه - يخدم رسول ا صلى الله عليه وسلم عشر سنين كما حدث هو بنفسه، فلم يقل له يوما ما لشيء فعله لم فعلته ؟! أو لشئ لم يفعله هلا فعلته!؟

يالله العجب! عشر سنين من التجاور والتعايش والتلاصق المباشر، ورغم ذلك لم يحصل العتاب أو الإنكار ولا لمرة واحدة فهل كان انس معصوماً بحيث لا يخطئ أو يفعل خلاف الأولى على أقل تقدير؟!

كلا، كلا فأنس لم يكن معصوماً، بل كان يخطئ، وقد يصنع أحيانا ما لا يعجب رسول ا صلى الله عليه وسلم بالضرورة، لكنه لم يسمع عتاباً ولا إنكاراً، لأن المسألة شخصية بحته، فهي تتعلق فقط بشخص الرسو صلى الله عليه وسلم ، وليس لها مساس بمستقبل الأمة وكيانها! فالتسامح فيها مطلوب، وغض الطرف لمثلها مندوب!.

لكن إليك - يا رعاك الله - مواقف أخرى يحمرُّ فيها وجه رسول الله غضباً حين تقع المخالفة الشرعية ويجترئ البعض على حدود الله، فهنا يبادر عليه السلام إلى إنكار المنكر في ساعاته الأولى، دون أن يصبر عشر سنين صبره على أنس خادمه؟!.

هذه بريرة أمة ضعيفة مسكينة، يعلن أسيادها عن رغبتهم في بيعها! فتتقدم عائشة لشرائها وعتقها، على أن يكون الولاء لها! فيأبى الأسياد، إلا أن يكون الولاء لهم، في تعدٍّ مكشوفٍ على شرع الله المطهر، ودينه المصون!.

فماذا صنع رسول ا صلى الله عليه وسلم ؟!.

هل غض الطرف وابتسم في وجوه القوم، كابتسامته للإعرابي يوم جذب معطفه، فاحمر لجذبته جنبه الطاهر؟!.

لقد صعد المنبر، وخطب خطبة عصماء؛ أنكر المنكر بشجاعة، وصدع بكلمته المشهورة:

"ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، أيما شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وان كان مائة شرط، إنما الولاء لمن اعتق".

لما كل هذا الغضب يا رسول الله؟!.

لما كل هذه الغضب؟!.

والجواب: إنّه منكر لا يتعلق بشخصه الكريم، وإلا لوسعه حلمه كما هو الحال في مواقف لا تُعد ولا تُحصى!.

لما استنفر رسول ا صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى تبوك، تخلف كعب وصاحباه دون مبرر معقول، أو مسوغ مقبول، حتى إذا ما رجع رسول الله بالجيش إلى المدينة إذا به يتخذ موقفه الصلب، وإجراءه الصارم بحق الثلاثة الذين خلفوا، فيأمر بهجرهم، ويحرّم محادثتهم، ويفرض حولهم سياجاً منيعاً من العزلة!:

(... حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) . [سورة التوبة، الآية: 118] .

فلما كل هذا يارسول الله؟!.

لما كل هذا ؟!.

والجواب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت