عبد المنعم مصطفى حليمة
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
فقد تناهى إلى مسامعنا تطاول بعض الجرائد المحلية الرسمية الدنمركية على سيد الخلق، وخاتم الأنبياء والمرسلين - صلوات ربي وسلامه عليه - من خلال رسمه في صور كاريكاتيرية ساخرة .. ورغم ما يمثل هذا الحدث الدنيئ المتخلف من اعتداء سافر على الإسلام والمسلمين .. تأبى الجريدة"Jyllands Posten"أن تقدم أي اعتذار عن سوء صنيعها هذا .. كما وتأبى الحكومة الدنمركية أن توجه أي خطاب تأنيب واستنكار للجريدة .. أو حتى اعتذار للمسلمين!
نبينا صلوات ربي وسلامه عليه لا يحتاج مني ولا من غيري إلى أن ندافع عنه ـ وكأن الطعن بحقه محتمل! ـ أو أن نُظهر محامد خصاله وأخلاقه .. فهو أكبر وأعظم من ذلك .. يكفيه فخراً وعظمة أن الله تعالى من فوق سبع سماوات يصفه بقوله: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم:4] . وقوله تعالى: { إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } [ الحج:67] . وقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء:107 ] . فأي تزكية تعلو أو توازي هذه التزكية .. وما قيمة ثناء وتزكية المخلوق تجاه ثناء وتزكية الخالق سبحانه وتعالى ؟!
لكن ماذا يعني هذا الحدث الجلل .. وكيف يفهمه ويفسره المسلمون ؟!
هذا الحدث الجلل يعني أموراً عدة:
منها: أن هذا الطعن بشخص النبي صلى الله عليه وسسلم هو طعن بجميع أنبياء الله تعالى ورسله: إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام، وغيرهم من الأنبياء والرسل؛ لأنهم كلهم يصدقون بعضهم بعضاً، ويُلزمون أتباعهم بالإيمان والتصديق بجميع الأنبياء والرسل من جاء قبلهم ومن يأتي بعدهم؛ وبالتالي فإن تكذيب أي نبي من أنبياء الله تعالى أو الطعن به، هو تكذيب لجميع الأنبياء والرسل، وطعن بهم، قال تعالى: { قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة:136 ] . وقال تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [ البقرة:285] .
والطعن والاستهزاء بالأنبياء والرسل هو استهزاء وطعن بالله عز وجل الذي زكى أنبياءه ورسله، وأثنى عليهم خيراً، لذلك عُد النفر الذين استهزؤوا بأصحاب صلى الله عليه وسلم وهم في مسيرهم نحو تبوك، هو استهزاء بالله وآياته، ورسوله، كما قال تعالى: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } [ التوبة:65-66 ] .
ومنها: أن هذا الاعتداء على شخص صلى الله عليه وسلم هو اعتداء على جميع المسلمين في الأرض، وعلى مشاعرهم، وعقيدتهم .. وهو أشد عليهم من الاعتداء المباشر على أنفسهم وأموالهم .. والصليبيون يُدركون هذا المعنى؛ وهو المراد من وراء طعنهم وتشهيرهم - المتكرر بين الفينة والأخرى - بشخص النبي صلى الله عليه وسلم
ومنها: أن اللجوء لمثل هذا الطعن، والاستهزاء .. هو علامة من علامات الإفلاس الفكري والحضاري، والثقافي لدى النصارى الصليبيين .. وحضارتهم .. فيُعوضون عن هذا النقص والإفلاس بمثل هذا الطعن، والسب، والاستهزاء !
ومنها: أن الشعار المرفوع حول حوار الأديان والحضارات هو شعار كاذب؛ له ما له من الغايات والمقاصد المريبة الخبيثة .. لا وجود له على الحقيقة والتحقيق !
فالغرب النصراني الصليبي بتواطؤه على مثل هذا الطعن والاستهزاء بشخص النبي صلى الله عليه وسلم . يفقد المصداقية، والرغبة الصادقة في الحوار والتفاهم مع المسلمين، ومع حضارة الإسلام .. إذ كيف ينهضون للحوار والجلوس مع المسلمين وهم يطعنون ويستهزئون بنبي الإسلام، وبأقدس ما عند المسلمين ؟!
فالتواطؤ على مثل هذا الطعن والاستهزاء لا شك أنه يوسع من ساحة عدم التفاهم والتعايش السلمي والآمن بين الشعوب والحضارات !
ومنها: أن مثل هذا الطعن والاستهزاء .. والتواطؤ عليه من قبل الجهات الرسمية .. يدل على ازدواجية المعايير والقوانين المعمول بها في بلاد الغرب النصراني؛ فهم إذ يسنون القوانين التي تُحارب إثارة الكراهية والعنصرية بين الشعوب كما يزعمون، تراهم هم أول من ينقض ويُخالف هذه القوانين، وبخاصة عندما تكون إثارة هذه الكراهية موجهة ضد الإسلام والمسلمين .. وتسير في الاتجاه الذي يرغبونه ويهوونه!