فهرس الكتاب
رواية ودراية
د. عبد العزيز مختار إبراهيم
مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية (العدد 68 صفر 1428 هـ ـ مارس 2007 م)
( اقتصرنا على القسم الخاص بالتجديد البدعي . الراصد )
التجديد البدعي:
ظهر بعض الكُتَّاب، ومن يسمون بالمفكرين الإسلاميين، وبعض رموز الحركات الإسلامية الحديثة، قد نحوا بالتجديد منحىً آخر لم يألفه السلف الصالح، تحت غطاء العصرانية والتقدمية، واليسار الإسلامي، والتوجه الحضاري، والفكر المستنير، وغيرها من الشعارات البراقة ( [1] ) .
مفهوم التحديد عند العصرانية:
العصرانية مصطلح حادث وهي: حركة تجديدية ظهرت في العصر الحديث في الغرب في الديانة اليهودية والنصرانية، وهي: حركة تدعو إلى تطويع مبادئ الدين لقيم الحضارة الغربية المعاصرة، وإخضاع الدين لاكتشافات العصر والحضارة الغربية ( [2] ) .
وقد تأثر بعض الكتاب الإسلاميين للأسف بتلك العصرانية الغربية، وجاءت كتاباتهم وطروحاتهم لمشاكل الأمة الإسلامية وإيجاد الحلول لها، وفق مناهج العصرانية الغربية.
أسباب ظهور العصرانية في الفكر الإسلامي الحديث:
عاشت أوربا عصر النهضة الحديثة في مطلع القرن التاسع الميلادي في كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية الاقتصادية، مقابل ما منيت به الدول العربية والإسلامية بكثير من التدهور والإنحلال والتفكك وأعقب ذلك إرسال البعثات العلمية خاصةً إلى البلاد الغربية، وإرسال خبراء وأساتذة للتدريس في الجامعات العربية، حيث تأثر كثير من المثقفين والمفكرين من أبناء المسلمين بما عند هؤلاء الأوربيين.
وكان من أشهر أولئك المتأثرين بما شاهدوا في الغرب: رفاعة الطهطاوي، وخير الدين التونسي ( [3] ) ، ثم تلى هذا الجيل، جيل كل من جمال الدين الأفغاني، والسيد خان، ومحمد عبده، وطه حسين، وغيرهم، ومروراً بعلي عبد الرازق، وقاسم أمين ومحمد إقبال، وإلى فتحي عثمان، ومحمد خلف الله، والدكتور محمد عمارة، والدكتور حسن الترابي، ومَنْ على شاكلتهم.
ولما كانت العصرانية الحديثة في الفكر الإسلامي المعاصر هي وليدة الفلسفة اليونانية، والفكر الاعتزالية سواء بسواء، إنما أُلبس لباس العصرانية كذباً وزوراً، وجه التشابه والتطابق بين العصرانية الحديثة والفلسفة الاعتزالية العقلانية القديمة.
1 ـ إذا كان المعتزلة تأثروا بالفلسفة اليونانية وبالمنطق اليوناني، وحاولوا تطويع العقيدة الإسلامية وتفسيرها بذلك المنطق والجدل، وكذلك فإن العصرانيين اليوم تأثروا بالحضارة الغربية المعاصرة وطوعوا الدين لإخضاع تلك الحضارة وفسروا نصوص الدين وفق نظريات وفلسفات تلك الحضارة.
2 ـ المعتزلة العقلانيون حكَّمُوا العقل، وجعلوه الأصل والفيصل، وقدموا العقل على الشرع والنصوص من الكتاب والسنة، كذلك العصرانيون اليوم، مثلاً بمثل، سواءً بسواء يداً بيد.
3 ـ كذلك المعتزلة أنكروا صحيح السنة النبوية، وأخضعوا نصوص السنة لعقولهم، وقسموا السنة إلى آحاد ومتواتر من حيث الحجية والاستدلال، كذلك عصرانية اليوم قسموا السنة إلى تشريعية وغير تشريعية.
4 ـ كذلك تطاول المعتزلة على حملة السنة من الصحابة الكرام والسلف الصالح من التابعين ومَنْ بعدهم، من نُقاد الحديث بالطعن، والسَّب، ورميهم بالسفه وقلة العقل، بل بالهوى والكذب، كما قال عمرو بن عبيد المعتزلي: (والله لو أن علياً وعثمان وطلحة والزبير شهدوا عندي على شِراك نعل ما أجزته) ( [4] ) وقال في سَمُرة بن جندب رضي الله عنه: (ما تصنع بسَمُرة قبَّح الله سَمُرة) ( [5] ) . وكذلك العصرانيون تطاولوا على السلف من الصحابة وغيرهم ( [6] ) .
يقول محمود أبو رية: (إن القول بعدالة جميع الصحابة، وتقديس كتب الحديث يرجع إليها في كل ما أصاب الإسلام من طعنات أعدائه، وضيق صدور ذوي الفكر من أوليائه!) ( [7] ) .
5 ـ وإذا كان المعتزلة العقلانيون قد استخفوا بعلم السلف المبني على الكتاب والسنة، واستبدلوه بالفلسفة والمنطق، وأشادوا بالمنطق اليوناني، كذلك العصرانيون اليوم.
يقول الدكتور حسن الترابي: (القديم الديني، علم تقليدي جامد يقوم على عاطفة ساذجة) ( [8] ) ، ويقول أيضاً مستخفاً بعلم أصول الفقه عند السلف: (لا بد أن نقف وقفة مع علم الأصول تصله بواقع الحياة، لأن قضايا الأصول في أدبنا الفقهي أصبحت تؤخذ تجريداً، حتى غدت مقولات نظرية عقيمة لا تكاد تلد فقهاً ألبتة، بل تُوَلِّد جدلاً لا يتناهى) ( [9] ) .
بل إن العصرانيين ـ معتزلة اليوم ـ قد زادوا على معتزلة الأمس أشياء كثيرة مثل: الدعوة إلى الحرية، والديمقراطية الغربية، والخلط بينها وبين الشورى، والدعوة إلى الاشتراكية والقومية والحزبية، والدعوة إلى التقارب بين السنة والرافضة، بل بين الأديان كلها ( [10] ) .
مفهوم التجديد عند العصرانيين:
إذا كان مفهوم التجديد عند السلف الصالح هو العودة بالدين إلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإحياء لما اندرس من معالمه على وفق منهج السلف الصالح كما سبق.