فهرس الكتاب
فإن مفهوم التجديد عند العصرانيين اليوم هو هدم لما كان عليه السلف، والقطيعة بين السلف والخلف، وتطويع الدين لإفرازات الحضارة الغربية المعاصرة، وتغيير الصورة التي ألفها المسلمون خلفاً عن سلف.
يقول الدكتور محمد البهي واصفاً لهم: (تلك المحاولات الفكرية التي يدعي القائمون بها إصلاحاً أو تجديداً في الإسلام، وهي في واقع أمرها اخضاع الإسلام للون معين من التفكير، أجنبي عنه، سواء في هدفه أو فيما يصدر عنه) ( [11] ) .
ويقول الدكتور القرضاوي: (تسمية هؤلاء بـ(المجددين) تسمية خاطئة، هؤلاء (مبددون) لا مجددون، لأنهم لا يمتون إلى التجديد الحقيقي بصلة... والذي سمى هؤلاء (مجددين) إنما هو الاستعمار وتلاميذه وعملاؤه من المشتسرقين والمنصِّرين وتسميتهم الحقيقية (عبيد الفكر الغربي) فهم لا يرقون ليكونوا تلاميذ الفكر الغربي، فإن التلميذ يناقش أستاذه، وقد يخالفه ويرد عليه، ولكن موقف هؤلاء من الفكر الغربي هو التبعية والعبودية...) ( [12] )
ونجمل مفهوم التجديد عند العصرانيين في النقاط التالية:
1 ـ التجديد عندهم هو تغير لحقائق الدين ومبادئه القطعية الثابتة ليوافق مع مبادئ الحضارة الغربية المعاصرة.
2 ـ التجديد عندهم هو تحقيق المصلحة التي اقتضتها الضغوط الواقعية والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
3 ـ مفهوم التجديد عند العصرانية فتح باب الاجتهاد على مصرعيه يلج فيه كل الناس، ويتساوى فيه العالم المجتهد، والجاهل.
يقول الدكتور/ حسن الترابي: (والاجتهاد مثل الجهاد، ينبغي أن يكون فيه لكل مسلم نصيب... إلى أن قال: وكذلك الاجتهاد) ( [13] ) ، ويقول أيضاً: (وتقدير أهلية الاجتهاد مسألة نسبية وإضافية، ولكن بعض الكُتَّاب المُتنطِّعين في الضبط يتوهمون أنها درجة معنية تميز طبقة المجتهدين من عامة الفقهاء) ( [14] ) .
وقول محمد عبده: (بأنه سهل المنال على الجمهور الأعظم من المتدينين، لا تختص به طبقة من طبقات...) ( [15] ) .
4 ـ مفهوم التجديد عندهم هو إنكار السنة ـ كلياً أو جزئياً ـ بدعوى تعارضها مع العقل، أو القرآن بزعمهم، أو تعارضها مع علوم العصر الحاضر.
5 ـ مفهوم التجديد عندهم الإزدراء بفقه السلف الصالح، وبمناهجهم وأصولهم واعتباره فقهاً لا يفي بضروريات العصر.
يقول الدكتور/ حسن الترابي: (فأفكار السلف الصالح ونظمهم قد يتجاوزها الزمن من جراء قضائها على الأمراض التي نشأت من أجلها، وانتصارها على التحديات التي كانت استجابة لها) ( [16] ) .
6 ـ التجديد عندهم: القطيعة التامة بين الماضي والحاضر والسلف والخلف، واعتبار علم السلف واجتهادات الأئمة الأربعة وغيرهم من التراث الماضي يستأنس به، يقول الدكتور/ حسن الترابي: (ومهما كان تأريخ السلف الصالح إمتداداً لأصول الشرع، فإنه لا ينبغي أن يُوقَّر بانفعال، يحجب تلك الأصول، فما وُجد في تراث الأمة بعد الرسول ابتداءً بأبي بكر فهو تأريخ يستأنس به، فما أفتى به الخلفاء الراشدون مثلاً، والمذاهب الأربعة هو تراث لا يلزم به، وإنما يستأنس به في فهم سليم لشريعة تنزلت في الماضي على واقع متحرك، وهي تنزل اليوم على واقع متحرك) ( [17] ) .
ويقول أيضاً: (وقد بان لها(أي الحركة الإسلامية التجديدية) أن الفقه الذي بين يديها مهما تفنَّن حملته بالاستنتاجات والاستخراجات، ومهما دققوا في الأنابيش ( [18] ) والمراجعات، لن يكون كافياً لحاجات الدعوة...) ( [19] ) .
7 ـ مفهوم التجديد عند العصرانية تمجيد للفرق المبتدعة، من المعتزلة العقلانية والإشادة بمناهجهم، وجعلهم النموذج المثالي الذي يحتذى به.
يقول الدكتور/ محمد عمارة: (ويسلم الكثيرون بأن المعتزلة هم فرسان العقلانية في حضارتنا) ( [20] ) .
ويصف الخوارج بأنهم: (حزب العدالة والجمهورية) ( [21] ) ، ويصف حركتهم (كانت التجسيد الحي لحرارة القيم الثورية التي جاء بها الإسلام) ( [22] ) .
8 ـ مفهوم التجديد عند العصرانية هي تمجيد العقل وتقديمه على نصوص الكتاب والسنة ولو خالفهما.
يقول الدكتور/ محمد عمارة ت (لقد أصبح الواقع الفكري للحياة العربية يتطلب فرساناً غير النصوصين، ويستدعي أسلحة غير النقول والمأثورات للدفاع عن الدين الإسلامي، وعن حضارة العرب والمسلمين) ( [23] ) .
ويقول ـ أيضاً ـ مادحاً طريقة المعتزلة العقلانية: (لقد أوجبوا عرض النصوص والمأثورات على العقل، فهو الحكم الذي يميز صحيحها من منحولها، ولا عبرة بالرواة ورجال السند مهما كانت هالات القداسة التي أحاطهم بها، المُحدِّثون، وإنما بحكم العقل في هذا المقام) ( [24] ) .
ويقول أيضاً: (وهكذا كانت حجج العقل وبراهينه قاضية وحاكمة على حجج السمع) ( [25] ) .
9 ـ إعجابهم المفرط بما عند الغرب من نظام الحكم والديمقراطية، والخلط بينها وبين الشورى في الإسلام، يقول خالد محمد خالد: إن نظام الحكم في الإسلام هو الشورى، وما الشورى؟ إنها الديمقراطية التي نراها اليوم في بلاد الديمقراطيات) ( [26] ) .
وقال غيره: (الديمقراطية أفضل صيغة للحكم عرفتها البشرية) ( [27] ) .
الفروق بين مفهوم التجديد عند السلف الصالح، ومفهوم التجديد عند العصرانيين: