فهرس الكتاب

الصفحة 4875 من 27364

مجدي هلال

من الأهمية بمكان أن نعرف جوابًا صحيحًا لهذا السؤال، فمن عرف الداء أمكنه أن يقاومه، و حيث إنها قد نشأت في الغرب فإن الجواب الصحيح يجب أن يأتي من هناك، و قد جاء في قاموس وبستر الأمريكي أن العلمانية هي النظام السياسي و الاجتماعي الذي ينبذ كل أشكال العقيدة الدينية أو العبادة، و في تعريف آخر فالعلمانية هي النظرة التي تقول بأن أمور التعليم و الأخلاق و المعاملات يجب أن تجري بدون أي اعتبارات أو تأثيرات دينية...هكذا بوضوح.

و في دائرة المعارف البريطانية، نجد أن العلمانية حركة اجتماعية، تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب، و دائرة المعارف البريطانية حينما تحدثت عن العلمانية، تحدثت عنها ضمن حديثها عن الإلحاد، و قد قسمت دائرة المعارف الإلحاد إلى قسمين: إلحاد نظري، و إلحاد عملي، و جعلت العلمانية ضمن الإلحاد العملي.

و المعنى المباشر لهذا هو أنه لا علاقة للعلمانية بالعلم، و لو قيل عن هذه الكلمة إنها: اللادينية، لكان ذلك أدق تعبيرًا وأصدق.

فكيف نشأت العلمانية؟

لقد كانت تجربة أوربا مع"الدين"تجربة بئيسة إلى أقصى حد.. كان الدين بالنسبة إليها ظلاما و جهلا واستبداداً وغلظة و انصرافاً عن عمارة الأرض (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.. ) ، و وقر في حس أوربا من خلال تجربتها الخاصة أن هذا هو"الدين".. و لذلك نفرت منه، ثم هاجمته و أبعدته عن واقع الحياة، و حبسته في نطاق ضيق في ضمائر الناس، إن بقي للناس ضمائر بعد أن أبعدوا عن الدين في أمورهم اليومية!

لم تعرف أوربا دين الله الحقيقي الذي أنزل على عيسى ابن مريم - عليه السلام -، إنما عرفت صورة محرفة منه، هي التي أذاعها بولس و نشرها في ربوع الأرض، و بخاصة في أوربا، و قد كان بولس صاحب نظرية دينية و معلماً يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل.. و من تأثره بالفلسفات السابقة على المسيحية فقد كان ذهنه مشبعا بفكرة الشخص الضحية الذي يقدم قربانا لله، كفارة عن الخطيئة. فما بشر به يسوع كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية، أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة، ديانة الكاهن و المذبح، و سفك الدماء لاسترضاء الإله، و هي العناصر التي أتى بها وخاصة الميثرائية التي أتى بها من ديانات فارس والديانة الهلنستية التي جاء بها من الإغريق و التثليت الذي استوحاه من الديانة المصرية القديمة...

و يقول الفيلسوف الفرنسي رينان"إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي كما كان يفهمه هو أن نبحث في تلك التفاسير و الشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام، و يرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح بل حمله على محمل آخر، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين و تعاليم العهد القديم"

و لم يكن التحريف في مجال العقيدة وحدها و هو خطير في ذاته و لكنه وقع في أمر آخر لا يقل خطرا عن العقيدة، و هو فصل العقيدة عن الشريعة، و تقديم الدين للناس كأنه عقيدة فقط بغير تشريع تحت شعار"أدِّ ما لقيصر لقيصر و ما لله لله!".

إن الكنيسة ذاتها بمعناها السلطوي مبتدَعة لم يتنزل بها سلطان من عند الله، ففي الديانة اليهودية التي نزلت لبني إسرائيل قسّم الله كما تروي التوراة مهام أسباط بني إسرائيل، فعهد إلى أبناء لاوى بن يعقوب بمهمة تطبيق الشريعة، بوصفهم قضاة يحكمون بين الناس بما أنزل الله في التوراة و كان هذا أشبه بتنظيم إداري، لا يجعل لللاويين قداسة خاصة دون بقية بني إسرائيل، ثم أرسل عيسى - عليه السلام - لبني إسرائيل مصدقا لما بين يديه من التوراة، كما جاء على لسانه في القرآن الكريم في سورة آل عمران: (وَ رَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ... وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَ لأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت