فعندما نأخذ على سبيل المثال مسألة"التوحيد" (رؤية وتصوراً للعالم والحياة) كمكون أساسي من مكونات المرجعية الإسلامية؛ نجد أن هذا المكون لم يقع عليه اختلاف، بل كان هو الموجه لمختلف الإنتاجات والإبداعات في تاريخنا الذهبي (إلا في بعض الاستثناءات القليلة) . حتى أن"المعتزلة"عندما دافعوا عن فكرة"خلق القرآن"كان دافعهم الأساسي هو التنزيه/التوحيد؛ إذ رأوا أن في قولنا إن القرآن كلام الله الأزلي بمعنى أنه قديم، وأن الله قديم.. رأوا أن في قولنا هذا نوعاً من الإشراك بالله؛ لأنه في رأيهم قد جعلنا مع الله شيئاً قديماً! طبعاً كان رد الأكثرية من العلماء مفحماً على هذا المنحى من التفكير، ولكن ما يهمنا هنا هو أن نعرف أن أعقد القضايا الكلامية في ذلك العصر كان الدافع إليها هو الانتصار لفكرة"التوحيد". هكذا كان حال الأمة طوال مسيرتها التاريخية والحضارية؛ كانت تنتج وتبدع وتختلف انطلاقاً من المرجعية الإسلامية، ولم تكن تعرف فوضى في المرجعيات.
فعندما يعلن المثقف العلماني المتطرف على الملأ بأن الاجتهاد والإبداع والإعمار، عندما يتعلق الأمر بمجتمعنا العربي والإسلامي، يمكن بل ينبغي أن يتم من خارج النسق الإسلامي فإنه يرتكب جريمتين على الأقل، وهما:
الأولى: جريمة في حق جهازه المفاهيمي ومنظمومته الفكرية وأدواته المنهجية، لأنه قد وظفها واستنبتها في بيئة مجتمعية لا تناسبها.
الثانية: جريمة في حق هذا المجتمع العربي والإسلامي؛ حيث أراد له هذا الصنف من المفكرين أن يتأقلم مع أدوات وأفكار ومفاهيم غريبة عنه.
وباستطاعتنا أن نتحدث عن فشل بعض التجارب الإسلامية في الوصول إلى الأهداف التي سطرتها، فهذا موضوع يحتاج إلى نقاش طويل وهادئ.. لكن ينبغي أن نعترف أن الإسلاميين والدعاة قد أصابوا عندما وصلوا إلى اعتبار المرجعية الإسلامية الأرضية التي لا يمكن أن تتحقق أي نهضة بدونها.
فكما أننا بعد أن اتفقنا على أن الماء هو المكان الطبيعي الذي يحتضن عالم السمك ثم بعد ذلك نظرنا في الشروط الموضوعية التي تضمن لهذا السمك الحياة الكريمة.. فكذلك بعد أن نتفق على أن الإسلام هو النسق الطبيعي الذي يحتضن عالم العرب والمسلمين، وجب علينا أن ننظر في الظروف الموضوعية التي تضمن للعرب والمسلمين الحياة الكريمة المبنية على العدل.
إذن لما يغيب الصدق مع النفس ومع الموضوع ومع الناس، فإن المفكر يفقد جلاله ويصبح صغيراً في عيون الشعوب العربية والإسلامية.. بل يتحول إلى عظم بدون عقل.. يكون جسداً بدون روح، ولعل من الملاحظات التي لاحظتها كما لاحظها غيري أيضاً أنه في كثير من المناسبات الثقافية والفكرية خاصة في الجامعات والكليات على طول عالمنا العربي والإسلامي، نجد أن أغلب الحضور يلتف بقوة على تلك الشخصيات الثقافية التي تتسم بالصدق المعرفي والجلال الأخلاقي..أما العناصر الأخرى فتجدها مهمشة ولا يلتفت إليها أحد؛ فهي عظام فقط بعد أن غاب الصدق وذهب الجلال.