د. عصام أحمد البشير
مدخل:
بعد الاستعمار الأروبي لكثير من الدول الأفريقية نتجت الحدود الجغرافية المعرفة حالياً للدول.. والتي جمعت الناس علي أساس جغرافي بحت لا يراعي العقيدة أو الدين .. ونتج عن ذلك أن كل الدول الإسلامية (التي تسكنها أغلبية مسلمة ) بها نسبة متفاوته من الأقليات الدينية الأخري تختلف من دولة إلى أخري .. الأمر الذي يتطلب توضيح موقف الإسلام من غير المسلمين وأهل الكتاب خاصة .
أولاً: الإسلام وأهل الكتاب:
أولى الإسلام الكتابيين معلمة متميزة إذ أباح طعامهم ومؤاكلتهم {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم (1) } كما أباح مصاهرتهم والزواج منهم {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من والذين أوتوا الكتاب من قبلكم } وأعطاهم حرية الاعتقاد والعبادة والكسب.
وبالرغم من أن الإسلام يرى أهل الكتاب كفاراً { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} إلا أنه يفرق بين نوعين منهم:
1.المحاربين: الذين يعادون المسلمون ويقاتلونهم , وهؤلاء لهم أحكامهم التي تنظم العلاقة بهم وتبين طريقة معاملتهم حرباً , إذ لا عدوان ولا غدر ولا تمثيل بجثة و لاقطع لشجر ولاهدم لبناء ولاقتل لصبي أو امرأة ولا شيخ إنما يقاتل من يقاتل .
2.المسالمين أو المعاهدين: وهم الذين رضوا أن يعيشوا في ظل الدولة الإسلامية محتفظين بدينهم ولهم عهد مع المسلمين . وهذا العهد يمكن أن يكون مؤقتاً وهؤلاء يتم اليهم عهدهم إلي مدتهم ويمكن أن يكون عهداً دائماً مؤبداً, وهؤلاء هم أهل الذمة بمعني أن لهم ذمة الله ورسوله .
ثانياً: أسس التعامل مع المسالمين والمعاهدين من أهل الكتاب:-
إن التعامل مع المسالمين من أهل الكتاب من ثوابت إسلامية ترتكز علي اللآتي:
1.الاعتراف بأن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالي , فقد منح الله الإنسان الحرية والاختيار في أن يفعل ويدع, أن يؤمن أو يكفر: {فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر } (2) .
والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب . كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة علم الناس ذلك أو جهلوه . ولهذا ينحصر دوره في البلاغ المبين قولاً وعملاً دون إجبار أو إكراه {ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً , أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } (3) .
2.وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية: انطلاقاً من قوله سبحانه وتعالي: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أنقاكم} , وقوله {ولقد كّرمنا بني آدم وحملناهم في البّر والبحر ورزقناهم من الطّيبات} . فالناس أكرمهم عند الله اتقاكم , أبوهم واحد , والرابطة الأنسانية بينهم قائمة شاءوا أم أبوا, هذه الرابطة تترتب عليها واجبات شرعية كالقيام للجنازة أيا كانت عقيدة صاحبها .. روى البخاري أن صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفساً (4) .
3.التعارف: لقوله سبحانه وتعالي {ياأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ,إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وكما ورد في الحديث(وأشهد أن
-كلهم - أخوة )فالتعارف أساس دعا إليه القرآن , وضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري , وإعمال لروح الأخوة الإنسانية بدلاً من إهمالها .
والروابط الاجتماعية بين البشر كثيرة , عبرت عنها الآية {قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} إذ حوت: الرابطة العائلية والرابطة القومية ورابطة الإقامة (الوطن) ورابطة المصلحة والرابطة الإسلامية .
4.التعايش: إذ إن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعاً وشراء .. قضاء واقتضاء .. ظعناً وإقامة .. وتاريخ المسلمين حافل بصور التعامل الراقي مع غير المسلمين . وقد حدد الله سبحانه وتعالي أساس هذا التعايش بقوله {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} . إن غير المسلم إذا لم يبدأ بحرب , ولم يظاهر علي إخراج فما من سبيل معه غير التعايش الجميل الملتزم بالبر وهو جماع حسن الخلق , والقسط هو العدل والفضل والإحسان
5.التعاون: كثير من القضايا العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المسلمين وأهل الكتاب ويمكن التعاون فيها , من ذلك:-
أ. الإعلاء من شأن القيم الإنسانسة والأخلاق الأساسية فالعدل والحرية والمساواة والصدق والعفة كلها قيم حضارية تشترك فيها الأديان والحضارات وترسيخها في المجتمع في المجتمعات هدف مشترك يمكن التعاون عليه .