فهرس الكتاب

الصفحة 20654 من 27364

من كتاب كواشف زيوف

أبيقور والأبيقوريون

من هو أبيقور؟

هو فيلسوف مادّي يوناني ، تلميذ آراء وأفكار"ديموقريطس". عاش ما بين (341-270 ق.م) .

أخذ أسس مذهبه الذري عن أستاذه ، في بضع الآراء . وتلاميذ"أبيقور"يُنسبون إليه في الفلسفة اليونانية ، فيقال عنهم: أبيقوريون .

أهم مقولاتهم المادّية التي تلتقي مع الفكر الإلحادي

أولاً: أسس مذهب الأبيقوريين ترجع إلى المذهب الذري الذي قال به"ديموقريطس"من قبل ، لكن"أبيقور"أضاف فكرة الميل في التحرّك الآلي في الذرات ، ليحصل التصادم بينها ، فتتكوّن الظاهرات الكونية .

ونقض المذهب المادّي كلّه يرجع إلى براهين واحدة ، منها ما سبق بيانه لدى الكلام على"ديموقريطس". وتفصيلها سيأتي إن شاء الله في فصل خاصّ ، يردّ على جميع آراء المادّيين .

ثانياً: للأبيقوريين أقوال يهاجمون فيها الدين الوثني المعدد للآلهة ، والذي كان منتشراً بين اليونانيين وغيرهم ، في تلك العصور .

فمن أقوال"لوكرتيوس"أحد الأبيقوريين:"إن الدين شرٌّ ما بعده شرّ ، وإن الواجب على الإنسان ومهمة الفلسفة الأولى أن تتخلص نهائياً من كل دين ، لأن الدين هو ينبوع كل شر".

وربما لم يكن في عهدهم ذلك صورة صحيحة عن دين رباني صحيح ، وإنما لديهم أديان وثنية خرافية ، لذلك شجبُوا الدين الذي رأوا نماذجه في عصورهم .

ولذلك نجد في تعبيرات الأبيقوريين: أن الذي يؤمن بالدين الشعبي المألوف ومعتقداته يرتكب خطيئة دينية في الواقع ، بينما الذي لا يؤمن بها هو الذي يسلك سبيل الصواب .

وهجومهم على هذا النوع من الأديان لا شأن لنا به ، وقد يكون لهم في ذلك عذر ، لما عليه هذه الأديان من خرافات وأضاليل وأكاذيب .

ثالثاً: ينكر الأبيقوريون ظاهرة العناية الإلهية ، التي هي إحدى أدلة المثبتين وجود الله .

وإنكارهم لها مستند إلى ملاحظة أمور يرونها في الكون شرّاً ، ويرون أن وجودها ينقض بحسب تصوّرهم فكرة العناية ، حتى زعموا أن فكرة العناية الربانية وهم من الأوهام ، وقالوا:

* أين العناية الربانية في عالم حظّ الشرِّ فيه أكبر من حظ الخير ، ومصير فاعل الخير أسوأ من مصير فاعل الشر ؟

* وأين العناية الربانية في عالم لا يوجد فيه مكان يصلح لسكنى الإنسان إلا جزء ضئيل منه؟

* وأين العناية الربانية التي تركت الإنسان خلواً من كلا سلاح ، بل هو الحيوان الأكبر الأعزل ؟

إلى نحو ذلك من تساؤلات ، تعبّر عن إنكارهم لظاهرة العناية .

كشف بطلان هذه الفكرة

أولاً: إن هذه التساؤلات التي طرحها الأبيقوريون منذ نيّف وعشرين قرناً ، ويطرح نظيرها جميع منكري العناية الربانية ، تدل على نظرة قاصرة جداً ، حكموا بها على الوجود ، الأمر الذي يسمح لنا بأن نقول: إن هذه النظرة نظرةٌ سخيفة ومحدودة ، وينبغي أن لا تصدر مطلقاً عن ذي فكر عادي ، فضلاً عن باحث فيلسوف .

إن الرؤية الناقصة القاصرة المحدودة ، التي تتناول جانباً جزئياً صغيراً جداً ، من المجموع الكلي الكبير ، والتي لا تسمح لصاحبها بأن يدرك معاني الحكمة الكلية ، تجعله يصدر أحكاماً باطلة ، مبنية على رؤيته هذه .

فمن لم ير من الوجود إلا ما يسوؤه جلب إلى نفسه الاكتئاب ، وغدا متشائماً ، وحكم على الوجود بأن الشر هو الغالب فيه . وعكسه الذي لا يرى من الوجود إلا ما يسره ، فإنه يبتهج بالحياة ، ويتفاءل بكل شيء ، ويحكم على الوجود بأن الخير هو الغالب فيه ، وقد يطغيه ذلك .

لكن النظرة الإيمانية التي منحنا إياها الفهمُ الديني الصحيح الذي بينه لنا الإسلام ، تعطي المؤمنين رؤية كلية شاملة ، وهذه الرؤية تشاهد حكمة الله في الخلق ، بدءاً من حياة الإنسان في دار الامتحان ، وهي الدار الدنيا ، حتى منازل الخلود في دار الجزاء ، وهي الدار الآخرة .

فالإنسان في هذه الحياة مُبتلىً ممتحن ، وبديهة الفكر تقرر أن الإنسان ما دام قد خلق ليمتحن ، وليكسب مقادير آخرته باختياره ، فإنّ الامتحان في دار الحياة الدنيا هذه يستلزم أن يكون الإنسان فيها عرضة لقسمين من أقسام الامتحان ، نظراً إلى أن إحساسه الشعوري قائم على محورين ، محور اللذة ومستتبعاتها ، ومحور الألم ومستتبعاته .

فالقسم الأول: هو ما يلذه أو يفرحه ويسرّه من محابّ في هذه الحياة الدنيا وهي النعم المادّية أو المعنوية التي تمتعه ليختبر بها حمده وشكره ، واستقامته ، وعدم بطره وطغيانه ، فإذا كان من الناجحين في هذا الامتحان كان من الخالدين في السعادة يوم الدين .

والقسم الثاني: ما يؤلمه ويحزنه ويسوؤه من مكاره في هذه الحياة الدنيا ، وهي المصائب التي تمسّه ، ليختبر بها صبره واحتماله ، ورضاه عن الله فيما تجري به مقاديره ، واستقامته على طاعته ، وثباته على إيمانه بربه وبكمال حكمته ، رغم كل ما أصابه من مكاره .

إذن: فلا بد من وجود مصائب ومكاره في هذه الحياة الدنيا ، ليستوفي الامتحان شروطه اللازمة له ، بذل تقضي الحكمة .

هذه الحقيقة بينها الله عزّ وجلّ لنا بقوله في سورة (الأنبياء مصحف/73 نزول) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت