جمال سلطان 27/3/1425
بعد أن نُشر حوارٌ لي في إحدى الصحف العربية المعروفة تعرض بشكلٍ موسع للموقف من رموز النهضة العربية الحديثة، مثل الشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، وغيرهم ، اتصل بي بعض الإخوة الباحثين والمثقفين معاتبًا لما يراه تهوينًا من شأن هؤلاء الرموز، وإقلالاً من قدرهم، وتجاهلاً لإنجازاتهم في سبيل تحريك فكر الأمة، ووعيها نحو النهضة المأمولة، ولم يكن هذا الذي تصوروه مبتغاي أبدًا من مثل هذا الحوار، ولا هو مبتغاي من الكتابات السابقة.. التي نشرتها في نقد تراث هذه الحقبة وتلكم الرموز، والحقيقة أن هذه المرحلة ضاعت بين تيَّارين من الباحثين، وكلاهما متحمس لوجهة نظره: تيار مغالٍ في هذه الرموز، ويراهم صناعَ نهضةٍ، وأنهم بعثوا الأمة من مرقدها، وأنهم روَّاد تنوير، والأمة مدينة لهم بفتح آفاق الفكر والاستنارة أمامها. وتيار آخر متطرف يرى هؤلاء دعاةَ رجعيةٍ وتخلف، وأنهم شدوا المجتمعات العربية إلى الأفكار القديمة، والتراث المندثر، وأعاقوا انطلاقة الفكر العربي نحو التحديث والسباق الحضاري الجديد، ممَّا أدى بنا إلى تكريس التخلف والجمود، ويزيد هؤلاء أن من آثار ذلك الجهد الفكري تولَّدت تيارات"الإسلام السياسي"الجديدة0 هذا التباين الشديد في موقف الطرفين حرمنا كثيرًا من استبانة الموقف بموضوعية ونزاهة وتأملٍ عاقل، والحقيقة أن هناك طرفًا ثالثًا أقلَّ حضورًا في هذا الجدل من التيار الإسلامي، وهم طرف يقف موقف الخصومة الشخصية من رموز هذه المرحلة وفق مقاييس شرعية محددة، ودون نظرٍ إلى الأبعاد الكاملة لقضية ذلك الفكر، ويجتهد في اتهام رموزه في نواياهم أو انتماءاتهم أو ولاءاتهم ونحو ذلك، وهذا الفريق -على قلته- حوَّل المسألة من رصد حالةٍ إنسانية وفكرية وتاريخية إلى تقييم أخلاقي وديني وسياسي مجردٍ لهؤلاء الأشخاص، وهذا منحىً خاطئٌ جدًّا في مثل هذه الأحوال، ويبعد بنا عن تحصيل فائدة البحث التاريخي، والاستفادة أيضًا من ثمرات التحليل والتقييم الموضوعي للمرحلة، حتى لا تتكرر أخطاؤها، وحتى نفيد مما يكون بها من إيجابيات، وهو ما لا تخلو منه أيّة تجربةٍ فكرية أو اجتماعية، وفي تقديري أن الموقف الصواب من تلك المرحلة وأشخاصها ورموزها هو موقف الرصد والتحليل للحالة الاجتماعية والنفسية والفكرية التي نشأ فيها هذا الفكر وظهر عطاءُ رموزه، بحيث نفهم الأسباب الحقيقية التي أثمرت توجهاتهم الفكرية، وأيضًا لكي يمكن لنا الإجابة عن السؤال الكبير: لماذا فشلت جهودهم وأفكارهم على مدار أكثر من قرن من الزمان حتى اليوم في إحداث النهضة المأمولة، أو تحريك الأمة قدمًا نحو نبض الحياة الجديدة ومدارج الحضارة؟ لماذا فشلت الإجابات التي قدموها في خطبهم ومقالاتهم وكتبهم وحواراتهم عن أسئلة النهضة.. حتى عادت الأمة بعد كل هذا العمر لكي تطرح نفس الأسئلة التي كانت تطرحها قبل أكثر من مئة عامٍ بانتظار إجاباتٍ جديدة.. بما يعني أنها لم تقبل بالإجابات الفكرية التي قدموها، ولم تعمل وفقها، أو أنها لم تستطع هضم هذه الرؤى الجديدة؟ هذه هي القيمة الأهم في دراسة هذه المرحلة، وبالتالي لا ينبغي أن يكون للحماسة الشخصية مجالٌ في عملية البحث والتحليل والتقييم، سواء في نقد تراثهم وعطائهم، أو في الدفاع عنه، ومحاولة إعادة الاعتبار إليه، وأيضًا ينبغي أن يبعد الأمر عن كونه إدانةً شخصية لهؤلاء الرموز، أو دفاعًا شخصيًّا أيضًا عنهم.. الأمر ينبغي أن يكون أبعد عن الأشخاص، وأقرب إلى التجربة والفكرة والرؤية التي طرحت. وفيما يخص الحالة الإسلامية على سبيل المثال هناك اندفاعٌ كبير في اتهام الشيخ الأفغاني بأنه كان ماسونيًّا، وكذلك الشيخ محمد عبده، وذلك لثبوت مشاركاتهم في اجتماعات بعض المحافل الماسونية، وأجد في كتابات بعض الإسلاميين احتفالاً كبيرًا بهذه التهمة وحرصاً متزايدًا على تأكيدها، وبالدرجة التي تحرمهم من رؤية الأبعاد المختلفة للشخص وأفكاره، يكفي أن يشار إلى أنه"ماسونيٌّ"حتى نهيل التراب على مجمل تجربته وأفكاره بكل تعقيداتِها وتشعباتها، وتحولات صاحبها نفسه على مدى السنين والتجارب، ودون أن يبذل الباحث قدرًا من الجهد لكي ينقب عن وضع الماسونية في تلك المرحلة، ومدى وعي المثقفين بها، وإدراكهم لأبعادها التي أدركها الناس بعد ذلك بحكم التجربة والمآلات والنتائج، إذ إن الأمانة العلمية تقتضي النظر في هذه الخلفيات كلها؛ لأنها مؤثرةٌ جدًّا في تقييم الحدث، وتقييم الشخص وانتمائه وولائه أيضًا.