فهرس الكتاب

الصفحة 12187 من 27364

الحصاد المرُّ لكامب ديفيد

طلعت رميح 4/8/1424

بعد 25 عاماً من توقيع اتفاقية كامب ديفيد..الأمة تعثر على الاستراتيجية البديلة!

يمر الآن 25 عاماً على توقيع الرئيس المصري أنور السادات على اتفاقيات كامب ديفيد، ولم تكن مصادفة أن تحل هذه الذكرى هذه الأيام، وأهم النواتج التي بنيت على كامب ديفيد أن اتفاقات أوسلو تشارف على نهايتها، بعدما أصدرت القيادة الصهيونية قرارها بطرد الرئيس عرفات، بما يعني إنهاء كل الاتفاقيات، وليست مصادفة أيضاً على الجانب الآخر أن تأتي ذكرى كامب ديفيد بينما دول الصمود والتصدي التي أعلنت أنها تتصدى للاتفاقية وجميعها في أسوأ وأخطر حال؛ فالعراق الذي رفع لواء المعارضة للاتفاقيات قد تم احتلاله على خلفية معارضته للخطة الأمريكية في المنطقة، وليبيا بدورها باتت في حالة سيئة حيث إنها لا تزال تسدد فواتير مواقفها؛ بل هي التي ذهبت إلى الجانب الأسوأ والأخطر على الأمة، أما سوريا؛ فهي الآن محاصرة ومهددة إلى درجة التلويح بالاحتلال العسكري على النمط العراقي، وإذا كانت ثمة ضرورة للإشارة إلى الموقف اليمني في القضية؛ فإن اليمن قدم كل ما هو مطلوب أمريكياً من تسهيلات للأمريكان ضمن خطة ضرب الحركات الجهادية التي تحاول الوقوف ضد مترتبات كامب ديفيد..

حصاد كامب مرير إذاً، سواء لمن مشى على خطي كامب ديفيد أو لمن وقف في وجهها وقت إعلانها، وهو ما يطرح فكرة أنها كانت بمثابة نقطة الانطلاق للوثوب على الأمة، أو مرحلة تحول خطيرة على مستقبل الأمة كلها..

والآن وفي هذه الذكرى وفي محاولة لإرساء نمط من التفكير الاستراتيجي؛ فإن الواجب الآن هو تقديم رؤية كلية للمضمون الاستراتيجي لأهداف كامب ديفيد والتغييرات الاستراتيجية التي حاولت إحداثها، والنتائج الفعلية لها بعد ما يربو على ربع قرن من التوقيع عليها. والأهم هو الإجابة عن السؤال الجوهري وهو: هل تمكنت الأمة من تحديد بديلٍ في المواجهة ليكون بديلاً عن استراتيجية كامب ديفيد؟ ذلك لأن السبب الرئيس الذي مكن كامب ديفيد من النجاح وتحقيق أهدافها لم يكن سوى افتقاد الأمة لطرح استراتيجية بديلة، ومن عاشوا تلك الأيام يتذكرون جيداً أن كل الذين أيدوا كامب ديفيد كانوا يطرحون سؤالاً دون إجابة من أحد: وما البديل؟ وكذلك فإن الذين تصدوا لكامب ديفيد لم يقدموا بديلاً، وكان أهم مؤشر لذلك أنهم شكلوا ما سُميت"جبهة الصمود والتصدي"!.

الأهداف الأمريكية والصهيونية

قبل كامب ديفيد مباشرة كانت الصورة الاستراتيجية لأوضاع الصراع في غاية الخطورة بالنسبة للكيان الصهيوني؛ فمن ناحية كانت صدمة حرب 73 في أوج تفاعلها بما حوته من نهاية مفهوم الأمن القومي الصهيوني - إذا جاز التعبير -، حيث انهارت نظرياته ومقوماته بحكم قيام الجيوش العربية بإثبات قدرتها على هزيمة الجيش الصهيوني الذي تحول للدفاع لأول مرة منذ قيام الكيان الصهيوني، ومن ناحية أخرى كانت صورة الوضع العربي قد جسدت إمكانيات خوض العرب حرباً مشتركة تقوم على خطة سياسية عسكرية موحدة ومفاجئة، حيث شاركت في الحرب كل الدول العربية، كما سخرت كل الإمكانيات العربية في المواجهة، وفي القلب منها سلاح البترول، وفي تلك المرحلة كان الكيان الصهيوني محاصراً بدول الطوق من كل جانب. كان التقدير الاستراتيجي لهذه المرحلة هو أن استمرار هذا الوضع إنما يمثل تهديداً مستقبلياً حقيقياً عليها، وأنه ينذر بتحول استراتيجي متصاعد لميلاد توحد عربي حقيقي وجذري، وهنا كان التغيير الاستراتيجي في الخطة الأمريكية والصهيونية من المواجهة العسكرية إلى خطة تفتيت الموقف العربي.

لقد استهدفت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إنهاء هذا الوضع الاستراتيجي الذي تحقق، أي إعادة رسم الوضع الاستراتيجي بما يخرج الكيان الصهيوني من هذا المأزق، فمن خلال كامب ديفيد جرى إخراج مصر من المواجهة العسكرية المباشرة مع الكيان الصهيوني، وتبع ذلك الانتقال إلى تكسير عظام وتركيع الدول الأخرى بالانتقال من تكتيك إنهاء وحدة الموقف العربي، وفكرة تكوين دول الطوق حول الكيان الصهيوني، والانتقال إلى عملية استراتيجية لتفكيك الأمة كلها وإدخال الكيان الصهيوني داخل جسدها، وكان اختيار عقد هذا الاتفاق مع مصر واضحاً في هذا البعد الاستراتيجي، بسبب وزنها الأكبر والأهم في التأثير على الأمة وقدراتها، وكانت المبررات التي سيقت وقتها هي أن الدول العربية فشلت في إزالة الكيان الصهيوني، وأن إسرائيل قد أصبحت حقيقة واقعة بالنسبة للنظام العربي الرسمي، وأنه لم تعد هناك إمكانية عسكرية لإزالتها، وأنه لا بديل عن الاعتراف بها..إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت