ويبدو ضرورياً هنا طرح السؤال: لماذا كانت كامب ديفيد؟ أو: هل جاءت كامب ديفيد مفاجئة أو طارئة؟ والحقيقة أن كامب ديفيد جاءت كتطور طبيعي لاستراتيجية النظم العربية في المواجهة؛ فالنظرة الفاحصة للأساس الاستراتيجي للموقف الرسمي العربي بعد هزيمة عام 67 تظهر أن استراتيجيات النظم العربية قامت على أساس إنهاء نتائج 67، وليس إنهاء الكيان الصهيوني، وهو ما أتضح من قبول هذه الأنظمة لقرار 242 الذي شدد على الحدود المحتلة عام 67، وليس الأراضي المحتلة في عام 48 كما أتضح من خلال شعارات تحرير سيناء والجولان... إلخ. ومن ثم فإن هذه الاستراتيجية كانت بالفعل هي الأساس الممهد للقبول بكامب ديفيد.
ماذا بقي من كامب ديفيد؟
ثمة وجهتا نظر في التعامل مع نتائج كامب ديفيد منذ بدايتها حتى الآن: وجهة النظر الأولى تركز على نتائج وتأثير هذه المعاهدة على الرأي الشعبي، ومواقف الشعوب؛ فتركز مثلاً على أن الشعب المصري لم يقبل على تطبيع العلاقات مع الصهاينة، وأن 25 عاماً مرت دون أن يتمكن العدو الصهيوني من التغلغل داخل الرأي العام المصري، ونفس الأمر بالنسبة للأردن، وأن لبنان وسوريا لا تزالا صامدتين.. إلخ. لكن ثمة وجهة نظر أخرى تنظر للأمر من زاوية الترتيب الاستراتيجي للمنطقة، ومن وجهة النظر هذه؛ فإنه يمكن القول بأن كامب ديفيد قد نجح من خلالها العدو في تحقيق جوانب استراتيجية يمكن إجمالها في إنهاء حصار الكيان الصهيوني سياسياً، وهو ما تحقق بقيام علاقات سياسية مع الحكم في مصر والأردن، ثم بناء علاقات سياسية مع كل من موريتانيا وقطر، ومن أن يحضر قادته لمناسبات سياسية أو اقتصادية في عدد آخر من الدول العربية، آخرها الحضور الإسرائيلي لمؤتمر صندوق النقد الدولي في دولة الإمارات، كما يمكن القول أيضاً: إن الكيان الصهيوني والولايات المتحدة اخترقا الوضع الاستراتيجي العربي الذي كان قد تحقق بعد حرب أكتوبر، وتم تفكيك وحدة الموقف العربي الذي تحول إلى جزر متفرقة، وأن كل التطورات التي جرت بعد ذلك في حرب الخليج كانت تطويراً للاختراق الأمريكي والصهيوني وليس العكس.
بديل كامب ديفيد
كانت الإشكالية الاستراتيجية التي واجهتها القوى الحية في الأمة وقت توقيع كامب ديفيد هي أنها لم تكن تملك أو تطرح استراتيجية بديلة، وقد كان لهذا ظروفه بطبيعة الحال، لكن إذ تأتي ذكرى مرور 25 عاماً على كامب ديفيد؛ فإن الأهم هو أن الأمة وجدت بديلاً؛ هذا البديل هو العمل الجهادي الشعبي المقاوم.
لقد جاءت كامب كامب ديفيد لتكون بمثابة إعلان بنهاية وفشل استراتيجية الحرب النظامية في المواجهة - التي اعتمدتها النظم الرسمية العربية-، حيث سارت تلك النظم بعدها جميعاً في طريق منحدرٍ رويداً رويداً إلى أن أجمعت كلها على ما سُمي بأن السلام خيار استراتيجي، وحيث انتهت فعلياً المواجهة الإسرائيلية السورية العسكرية في إطار الحرب النظامية، كما انتهت بعدها المواجهة الفلسطينية وفق نمط الحرب من الحدود، وجاء العدوان الأول على العراق، ثم الاحتلال؛ لتؤكد نهاية إمكانيات استخدام القوة النظامية المسلحة في الحروب ضد العدوان الأمريكي والصهيوني على الأمة، وهو نفس ما تأكد وفقاً لتجربة العدوان الأمريكي على أفغانستان، انتهت تلك الاستراتيجية لكن ذلك ورغم آلام حدوثه؛ قد فتح الطريق للمقاومة الشعبية الجهادية، وهو ما مثل البديل الجذري والحقيقي لأسلوب الحرب النظامية ولاستراتيجية الاعتراف الرسمي أو العملي بالكيان الصهيوني، والتي تطرح استراتيجيات وشعارات جذرية في المواجهة. وهذا هو الأهم في هذه المرحلة