محمد سعد
جولة جديدة لكنها شديدة، من سلسلة جولات يقودها تيار التغريب، وهي الجولات التي يصارعون فيها شريعة الإسلام، بدعوى رفع الظلم الواقع على المرأة في المجتمعات الإسلامية.
جولاتهم السابقة كان فيها شيء من التروي والمواربة والمراعاة لردود الأفعال، أما الجولة الجديدة فقد بدأت سريعة مفاجئة، وجاءت صريحة واضحة، ولم تخرج من قلب العالم الإسلامي هذه المرة، بل خرجت من الغرب نفسه، حيث بدأت هذه الجولة من نيويورك في أمريكا.
خطوة جريئة حقاً، تثير كثيراً من الأسئلة، وتقتضي الوقوف حيالها بالفحص والدراسة.
دعونا أولاً نستعرض ما فعلته هذه المرأة باختصار:
أمينة ودود (أستاذة مادة الدراسات الإسلامية في جامعة فرجينيا كومونولث الأمريكية) ، مهدت أولاً بنشر كتاب (القرآن والمرأة) ، الذي وضعت فيها أفكارها التي تبنتها وتدعو إليها، وتتلخص في الدعوة إلى مساواة المرأة بالرجل في التكاليف الشرعية، فترى أن من حق المرأة أن تؤم المصلين رجالاً ونساء، وأن المرأة يمكنها أن تصلي في الصفوف الأولى مع الرجال، ولا مانع أن تكون في الصف مختلطة بهم، وأن من حق المرأة أن تؤذن للصلاة وتقيم لها في المساجد، وروجت لهذه الأفكار، ودعمتها منظمات أمريكية تدعو إلى حرية المرأة المسلمة، وتنظم لذلك النشاطات والمؤتمرات، ليكون مقدمة لخطوتها التالية التي دوى صداها في أرجاء العالم.
وفي يوم الجمعة 18 مارس/ آذار، كما أعلنت أمينة ودود من قبل، وتنفيذاً لما بثته من أفكار، اجتمعت هذه المرأة بمن يؤيدها أو فتن برأيها، لصلاة الجمعة في إحدى الكنائس بسبب تهديدات وصلتها، ورفعت أذان الجمعة امرأة مكشوفة الشعر، وخطبت أمينة ودود الخطبتين، وأمت من وراءها من رجال ونساء مختلطين، وبرزت النساء في الصفوف الأولى، بعضهن متبرجات مكشوفات الشعر لابسات للبنطلون، وكان عدد من صلى وراءها 90 شخصاً تقريباً من الرجال والنساء.
وقد عبّر عن رؤيتهن واعتزازهن بما فعلنه ما قالته بعضهن من أنهن حققن انتصاراً تاريخياً، وإنهن مستعدات الآن لاكتساح باقي أمريكا بلدة بلدة ومدينة مدينة - كما ذكر مراسل قناة الجزيرة ذلك عنهن في تقريره -.
موقف المسلمين في العالم تجاه هذا الحدث كان واضحاً، ففي أمريكا نفسها كان أبرز موقف إسلامي رسمي هو البيان الذي أصدره مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، واستنكر هذا العمل موضحاً بطلانه، وقد خصص للرد على سؤال ورد حول حكم إمامة المرأة لصلاة الجمعة وإلقائها لخطبتها.
وفي غير أمريكا اتفقت ردود الأفعال، سواء منها ما صدر عن بعض العلماء أو ما كان من بحوث مختصرة في حكم إمامة المرأة أو ما كان صادراً في وسائل الإعلام، على أن ما فعلته هذه المرأة باطل مخالف للأدلة الصحيحة وأقوال جمهور العلماء.
وقفات لا بد منها:
لا أريد هنا البحث في القضية من جانبها الفقهي، فقد نشرت كثير من البحوث والدراسات والفتاوى حولها، ولأن بطلان ما فعلته هذه المرأة ومن معها لا يخفى، وإنما أرى - مع هذا- من الأهمية بمكان طرق الجوانب الأخرى، فليست القضية مجرد مخالفة فقهية أو مجرد بدعة فعلها هؤلاء، ينتهي أثرها ببيان حكمها الفقهي فحسب، بل أرى الأمر أكبر من ذلك، فما حدث لا بد أن ننظر إليه في سياقه الكبير، فهو جزء من مخطط كبير، وجولة من جولات يتم سحب المسلمين للدخول فيها بطريقة ماكرة.
لو عقدنا مقارنة بين ما فعلته أمينة ودود وما حدث في نشأة حركة تحرير المرأة لتبين لنا الخطر، فقد نشأت حركة تحرير المرأة مجرد أفكار نشرت في بعض الكتب، وكذلك فعلت أمينة ودود بنشرها أولاً كتابها (القرآن والمرأة) ، لكنها ركزت على قضية جديدة للجولة الجديدة وهي المساواة بالرجل في التكاليف الشرعية، أما الكتب التي أسست لظهور حركة تحرير المرأة فكانت تركز على الحجاب، وهي كتاب (المرأة في الشرق) تأليف مرقص فهمي المحامي، نصراني، دعا فيه إلى القضاء على الحجاب وإباحة الاختلاط وتقييد الطلاق، ومنع الزواج بأكثر من واحدة، وإباحة الزواج بين النساء المسلمات والنصارى. وكتاب (تحرير المرأة) لقاسم أمين، نشره عام 1899م، زعم فيه - أرجو أن تنتبه هنا- أن حجاب المرأة السائد ليس من الإسلام، وقال: إن الدعوة إلى السفور ليست خروجاً على الدين -وهذه حجج أمينة ودود لكنها في إمامة المرأة للرجال وصلاتها في الصفوف الأولى وغير ذلك مما ذهبت إليه- ، كتاب (المرأة الجديدة) تأليف قاسم أمين أيضاً - نشره عام 1900م ضمنه أفكار الكتاب الأول، لكنه استدل فيه على أقواله وادعاءاته بآراء الغربيين. مجلة السفور التي صدرت في أثناء الحرب العالمية الأولى، من قبل أنصار سفور المرأة، وكانت تركز دعوتها على السفور والاختلاط.