ثم جاء وقت التنفيذ، وتم اختيار التوقيت بدقة، كما فعلت أمينة ودود التي رأت أن الأجواء العالمية مناسبة لتنفيذ مخططها، حيث افتقد المسلمون الهيبة، وتفرقت فيهم الكلمة، وكذلك خططت نور الهدى محمد سلطان التي اشتهرت باسم هدى شعراوي (نسبة لزوجها علي شعراوي كما يفعل الغرب) من قبل، فقادت النساء في ثورة سنة 1919م في مصر، وبدأت حركتهن السياسية بالمظاهرة التي قمن بها في صباح يوم 20 مارس سنة 1919م، وحانت ساعة التنفيذ حينما نزع سعد زغلول عن وجه هدى شعراوي الحجاب أمام الحاضرين عند استقباله في الإسكندرية بعد عودته من المنفى، واتبعتها النساء فنزعن الحجاب بعد ذلك.
إذن هي خطة مدروسة، استفادت منها أمينة ودود تحاكي فيها السافرة الأولى هدى سلطان (المعروفة باسم هدى شعراوي) ، وتريد أن تكسب الجولة كما كسبتها.
إذن القضية منتقاة - كما سيأتي - والوقت مختار بدقة، والمكان مناسب لاستيعاب الحدث، كان المكان مناسباً لهدى شعراوي، فمصر وقتها كانت تحت الاحتلال الإنجليزي مما يعني وجود التضييق على العلماء وكبتهم، وفتح الباب لحركات التغريب، وكذلك كان المكان مناسباً لأمينة ودود، فهي في أمريكا أرض الانحلال والتمرد على كل شيء، والوقت مناسب تماماً، حيث اشتدت الحرب على الإسلام من كل جانب، وتتزعم أمريكا حرب الإسلام، وتؤيد وتدعم تيارات التغريب، وتسعى لتغيير الشريعة وتحريفها بشتى الوسائل.
أما موضوع القضية وهو مساواة المرأة بالرجل في التكاليف الشرعية - وهذا من أشد ما في الحدث من جوانب خطيرة- ، فقد تم اختيار قضية خطيرة جداً، لها جوانب عديدة وكأنهم يريدون - كما يقال - ضرب عصفورين بحجر واحد، فلماذا تم اختيار هذه القضية؟
إذا سلطنا الضوء على الآثار المترتبة على هذه القضية؛ سيظهر لنا لماذا تم اختيارها، ولنعرض تلك الآثار فيما يأتي:
أولاً: في جانب الدليل الشرعي:
هذا العبث سيؤثر تأثيراً خطيراً في نفوس بعض الناس في مكانة الدليل الشرعي الذي يُبنى عليه الدين، ويجرئ أصحاب الأهواء على التلاعب به، فمهما جئت لهم بعدها مثلاً بدليل صحيح قوي الدلالة أجمعت عليه الأمة فلن يكون له صدى في قلوبهم، ولن يردعهم عن باطل وقعوا فيه، كما فعلت هذه المرأة، حيث:
-عبثت بالنصوص الشرعية، فأعملت منها ما ظنته يوافق هواها، وتركت وأبطلت العمل بما لا يخدم رأيها.
-أهدرت قيمة علوم الاستنباط وقواعده التي هي آلة استنباط الأحكام الشرعية، فما توصلت إليه لا علاقة له بأصول الفقه؛ مما يجرئ غيرها على تفسير النصوص بالهوى دون ضابط ولا قواعد.
-خلطت وأضاعت مراتب الاستدلال، وأهدرت قوة الدليل من حيث صحته، ومن حيث دلالته.
-استهترت بمكانة العلماء، وأقوالهم، حيث انفردت بأفكارها، وشذت بها عن عموم المسلمين، ولم تحسب لعلماء الأمة أو لمجامع العلم حساباً، ولم تعرض أفكارها على من هم أعلم منها.
ثانياً: في جانب تغريب المرأة:
فهذه الخطوة جاءت هذه المرة كبيرة وواسعة، ستختصر لو أصروا عليها خطوات وجولات كثيرة كانوا لا يحلمون بإنجازها؛ لأن العائق الأكبر أمامهم هو الدليل الشرعي وهيبته في النفوس وهيبة العلماء ومجامع الفقه والعلم، فحين تأتي خطوة تحطم ذلك مرة واحدة وتزيحه من أمام مخططاتهم فسوف توفر الكثير من الوقت والعمل؛ لأن ما بعد ذلك أمره سهل؛ لأنها ستكون مجرد عادات وتقاليد، يكفي لتغييرها بعض البرامج والأغاني والفيديو كليب والأفلام والأقلام.
وما داموا قد حققوا مخططاتهم في العبادات، فتحقيقها في غيرها من جوانب الحياة سيكون سهلاً.
ثالثاً: في جانب تأصيل هذا التيار التغريبي وتوسيعه:
فهذه الخطوة لا شك ستؤدي إلى توليد دافع حركي كبير في نفوس أتباع هذا التيار في بلاد المسلمين، مما يعني وجود احتمال - بدعم أو بغير دعم - لتكرار ما حدث في أمريكا، ولا شك أن ذلك سيسبقه دراسة للمكان والزمان حتى تنجح المحاولة وتنتشر، بمعنى أن يتم اختيار الدول التي غلب فيها التوجه العلماني لضمان وجود الحماية والتأييد من الجهات المشابهة.
مناقشة سريعة:
ما علاقة العلم بارتداء المرأة للحجاب الإسلامي، وبعدها عن الاختلاط بالرجال؟! وما الذي يمنع أن تتعلم المرأة فتكون أستاذة أو دكتورة أو مفكرة أو أديبة وهي ترتدي الحجاب وتتمسك بأحكام الشريعة الإسلامية! كما هو واقع كثير من المسلمات الفاضلات في هذا العصر، وهل عدمت القرون الماضية في بلاد الإسلام وجود العالمات والأديبات والشاعرات والحافظات لكتاب الله _تعالى_ وهن يرتدين الحجاب ويلتزمن بأحكام دينهم! إنها - دعوى تحرير المرأة من الحجاب- إذن دعوى باطلة وخدعة لن يقع فيها المسلمون _بإذن الله تعالى_.
إن وجود ظلم للمرأة (ولا أعني ما يقصدونه زوراً وبهتاناً من ارتداء المرأة للحجاب وبعدها عن الاختلاط) في المجتمعات المسلمة ليس سببه شريعة الإسلام؛ لأن الإسلام دين الحق والعدل، ولا نحتاج إلى أن ندافع عنه بالقول: إنه أنصف المرأة؛ لأن من رضي بالإسلام ديناً لم يحتج عموماً إلى إثبات هذه البديهية الواضحة، وإن احتاج بعض الناس إلى التذكير بها وبيانها.