د.علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
تتعرض أمة الإسلام في هذه الأوقات إلى أشرس هجمة في تاريخها الحديث ، وهي - أي هذه الهجمة - أخطر من كثير من سابقها ذلك أن صراع الحق والباطل دائم لا ينقطع حتى يرث الله الأرض ومن عليها في سنة من سن الله عز وجل الماضية .
ولئن كانت الأمة قد تعرضت في فترات ماضية إلى الاستعمار والاحتلال العسكري ، ثم بعد ذلك تعرضت إلى الغزو والتخريب الفكري ؛ فإن مايحلّ بالأمة اليوم تجتمع فيه كل شرور الحملات الماضية وكل مخاطر الهجمات السابقة ؛ فإن كان ما سبق حفياً فإنه اليوم ظاهراً ولئن كان ما سبق متدرجاً فإنه اليوم شاملٌ ، ولئن كان ماسبق يأتي بشيء من التهاون ؛ فإنه يأتي اليوم قاهراً ، وذلك في نواحي شتاء لعل وقفتنا اليوم تتناول جانباً من أخطر هذه الجوانب وأعظمها ضرراً وفتكاً في الأمة ، وأكثرها تأثيراً في مستقبلها ، وتلكم هي الهجمة على التعليم الإسلامي .
ولعلنا نحتاج إلى وقفات كثيرة في هذه القضية المهمة الحساسة ، فالتعليم عقيدة وديانة وهوية وثقافة وتاريخ وأصالة .. إنه ليس مجرد معلومات تحفظ أو تجارب تؤدي أو مدارس تقام ، أو جامعات تشاد ! إنه فكر يصاب إنه روحُ تصبغ .. إنه هوية تظهر .. إنه تاريخٌ يستعاد وتمتد جسوره ما بين الماضي والحاضر ، بل وتتجاوز ذلك إلى المستقبل .
إن التعليم في كل أمة هو أساس بنائها وقاعدة حضارتها بل وهو أعظم أسباب قوتها ونحن نرى أهمية ذلك بكل ما نراه بواقع الحياة إن كل أمة لا تصوغ مناهجها إلا وفق عقائدها يوم كانت الشيوعية الحمراء ، كان ألف بائها:"لا إله والحياة مادة"، واليوم في الحضارة المادية العمياء إلهها"الدولار والمال"كما هو معلوم في حياة الناس ..كل أمة تتغلب على أمة أول أمرٍ تسعى إلى تغييره وتجديده هو التعليم لتصوغ الأجيال وفق مرادها ، ولتصبغ الأمة باريتها وشعاراتها .
واليوم تنكشف الهجمة العدائية ضد الإسلام مستهدفة التعليم الإسلامي بشكل مكثف وواضح في دعايات جوفا أن هذا التعليم يفرّخ الإرهاب بمفاهيمه المختلة المخلوطة الجائرة ، التي لا تزن الأمور بميزان عدل .
ولنا حديث قد يطول في هذا الأمر عن التعليم الديني وغير الديني عند اليهود في دولة المسخ الإسرائيلية ؛ فإن أولئك القوم في أصول كتبهم التي قد حرّفوها وبدّلوها ، وبالتالي أنشأ هذا التعليم كل صور العدوان التي نراها ، إن هذا التعليم وتلك الثقافة والعقيدة المنحرفة الزائغة هي التي نراها في الظلم الباغي ، و البطش الجائر ، والجبروت الذي لا يراعي حقوق إنسانية ، ولا أعراف دولية ، ولا قوانين أممية ، ولا غير ذلك مما يقال أو يبدع !
ولعلنا نقف عند هذا التعليم نؤكد على خطورته في كل الجوانب التي يتناولها .. إن الذي يقولونه في قضية التعليم الإسلامي والديني كذبٌ مردود عليه بواقع كثير من صور هذه الحياة التي نحياها قد مسخ التعليم - وللأسف - الشديد في كثير من الديار الإسلامية ، بل في بعض البلاد العربية والإسلامية لا يكاد يتخرج الطالب من مراحلها الثانوية بل والجامعية وهو لا يكاد يحسن قراءة قصار السور ، ولا يعرف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نزراً يسيراً لا يغنيه شيئاً وكذلك عنده من الفلسفات والأضاليل والأباطيل ما شوش على عقله كل صور الإسلام .. فما الذي نتج بعد ذلك ؟ وما الذي أخرجته هذه المناهج الممسوخة ؟ هل أخرجت أمة قوية متماسكة ؟ هل أخرجت أخلاقاً فاضلة ؟ هل أخرجت عقولاً واعية ؟ هل أخرجت قيماً حضارية كما يزعمونها ؟
أم أننا قد رأينا صور من المجتمعات الإسلامية وقد انسلخت من هويتها وضيعت دينها وأصبحت دليلاً تابعاً للحضارة المادية الغربية الإباحية المعاصرة ، فلا يكاد المرء حين يزور بعض البلاد يفرق بينها وبين بلاد الكفر خمورُ مباحة ، وسفورُ جائرُ وإباحية تكاد تكون أختاً للكفر والعياذ بالله . وماذا بعد ذلك في كل هذه الصور التي غيروها وحرفوها ؟
من أراد الله به خيراً ومن كانوا يحرصون على دينهم ومن كانوا على عقائدهم لم بجرفهم تلك المناهج ليست القضية في المناهج - وإن كان أثرها عظيم - لكنها في قضية الثبات والاستمساك بالحق ..