فهرس الكتاب

الصفحة 9873 من 27364

حسام تمام

أعلنت جامعة روتردام الإسلامية بهولندا مؤخراً وضع حجر الأساس والبدء في تأسيس أول كلية للدراسات الشرقية بها، وأسند مجلس الجامعة عمادة الكلية للدكتور"محمد حرب"مستشارها لشئون الشرق الأوسط، والعالم التركي، وأستاذ كرسيّ التاريخ الإسلامي، والذي كان أول من أطلق الفكرة ضمن أطروحته لتأسيس استشراق جديد.

التقينا الدكتور حرب، وناقشناه في فكرة الكلية، وتطورات تأسيسها، وأطروحة الاستشراق الجديد.

كيف ظهرت فكرة إنشاء كلية للدراسات الشرقية في أوروبا؟

** الفكرة حديثة جداً، أثارتها محاضرة ألقيتها في أوائل شهر يونيو الماضي (1999م) في فيينا بدعوة من الأكاديمية الإسلامية هناك؛ وكانت بعنوان (نحو استشراق جديد) ، وحضرها عدد كبير من الجيل الثالث للمسلمين في أوروبا، تحدثت فيها عن عيوب الاستشراق القديم، وآثاره السيئة على الإسلام، وتأثيره السلبي على الرأي العام العالمي تجاه الإسلام، والقضايا الإسلامية، ودعوت إلى تأسيس استشراق جديد يتجاوز عيوب وسلبيات القديم، ويكون دعامته من الباحثين المسلمين الغربيين والجيل الثالث من المسلمين في أوروبا، أحدثت المحاضرة تأثيراً كبيراً في الحاضرين، ولاقت استحسانهم، واقترح البعض تأسيس كلية في أوروبا لهذا الغرض، فتلقف المسئولون في جامعة روتردام الإسلامية بهولندا الفكرة، وأعلنوا عن قبول الجامعة إنشاء مثل هذه الكلية، وأسندت إليَّ عمادتها، ووضع مقرراتها الدراسية، وإنشاء هيكلها الإداري، وبالفعل تم ذلك في أوقات وجيزة، وكانت البداية باسم الدراسات العثمانية على أن تستكمل بقية الأقسام في وقت لاحق.

وما الفكرة الرئيسية لأطروحة الاستشراق الجديد التي تتبناها وتقوم عليها كلية الدراسات الشرقية؟

الفكرة تقوم على نقد الاستشراق القديم، والدعوة إلى تأسيس استشراق جديد يتناسب مع المرحلة الجديدة التي يعيشها، ويتجاوز سلبيات وتجاوزات الاستشراق القديم التي ترجع لأسباب وظروف كثيرة، فالاستشراق منذ ظهوره قبل خمسة قرون تقريباً نشأ في ظروف ولأهداف غير موضوعية؛ فقد ظهر مع اشتداد الصراع بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي، ووصوله إلى ذروته مع طرد المسلمين من الأندلس، وسقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين، ووصولهم إلى أبواب فيينا، وانتشار حالة الفزع من الإسلام التي ساهم فيها باباوات الكنيسة الغربية.

فقد بدأت الدراسات الاستشراقية في الظهور والتزايد، وكان هدفها استكشاف ذلك الخطر الذي يسمى بالإسلام، واختراقه داخلياً في محاولة للتغلب عليه، خاصة بعد إدراك الأوروبيين لاستحالة القضاء عليه عسكرياً وبالمواجهة المباشرة، فنشأ الاستشراق في المدارس الكنَسيّة، فتحمل بكل سلبيات نظرتها غير الموضوعية للإسلام، ثم في مرحلة لاحقة تحمل بسلبيات ومساوئ أخرى لا تقل خطورة بعد ارتباطه المباشر بالاستعمار، وتحولت الدراسات الاستشراقية لخدمة الاستعمار، ولعب المستشرقون دوراً مؤثراً في السيطرة على الشعوب الإسلامية والشرقية أيضاً، وإحكام قبضة الاستعمار الغربي عليها، وهو دور يخالف كل أخلاقيات العلم والمعرفة، وكانت المحصلة النهائية أن الاستشراق مارس تأثيراً سلبياً على الإسلام والمسلمين، وظهر ذلك واضحاً في سيل الدراسات والكتابات الاستشراقية؛ فمعظمها يرسم صورة بالغة السوء عن الإسلام والمسلمين، بجهالة أو سوء نية، لكنها ساهمت في إفساد الرأي العام الأوروبي والغربي في كل ما يتعلق بالإسلام، بل وأفسدت أيضاً تصورات كثير من المسلمين أنفسهم عن الإسلام خاصة المثقفين والأكاديميين، فأي باحث مسلم يعتمد بصفة أساسية على الكتابات الاستشراقية في كل ما يتصل بالدراسات والكتابات المتعلقة بالإسلام أو التاريخ الإسلامي باعتبارها رائدة في هذا المجال، ومن ثم يتحمّل بكثير أو قليل مما تحمله من أكاذيب أو مغالطات، وعلى سبيل المثال لا أعتقد أن باحثاً لا يستعين بدائرة المعارف الإسلامية التي أعدها مستشرقون أوروبيون التي صدرت بثلاث لغات أوروبية (ألمانية/ إنجليزية/ فرنسية) ، وترجمت إلى كل اللغات الإسلامية، وتتضمن تشويهاً للعقيدة والتاريخ والفكر الإسلامي؛ إذ خضع فيها الإسلام للدارسة وفق مناهج ورؤى غربية متباينة (مسيحية، يهودية، علمانية، استعمارية) ، كلها بعيدة عن الإسلام الصحيح، وتحمل جناية بالغة عليه، لذلك كان لا بد من الاتجاه إلى تصحيح مسار الاستشراق، والدعوة إلى استشراق جديد.

ولكن ألا يتجاهل ذلك الآثار الإيجابية للاستشراق، والدور البارز لعدد من المستشرقين المنصفين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت