فهرس الكتاب

الصفحة 13878 من 27364

أجواء الحروب الصليبيّة

ياسر بن علي الشهري 3/9/1427

يعيش العالم -منذ سنوات- أجواءً مماثلة لما عاشه أيام الحروب الصليبية، وتكاد تكون العلاقة بين الأمتين"المسلمة السنية"و"المسيحية المتصهينة"هي الأبرز على مسرح العلاقات والأحداث العالمية، وإن كانت هذه الأجواء متأثرة بسمات المرحلة الحالية وأدواتها -ما بعد الحداثة، وما بعد الإعلام، أو باختصار"ما بعد العقل!!"- مما أشكل على كثير من المسلمين فهم هذا الواقع وإحسان التعامل معه، خاصة أولئك الذين ابتلاهم الله بتولي أمور الخلق من العلماء والقادة.

أبرز ملامح هذا المشهد هو عودة التكامل والتعاضد بين المؤسسة الدينية المسيحية والمؤسسة السياسية الغربية، -بعد أن ثبت لدى المؤسستين العجز عن تحقيق الأهداف الإستراتيجية لكل منهما، التنصير والسيطرة، على التوالي- في مقابل العمل المستميت إلى فك الارتباط بين النظامين في بعض بلدان العالم الإسلامي.

لقد حصدت المؤسستان"المسيحيتان"إخفاقاً ذريعاً مع الشعوب المسلمة -إخفاق التنصير وإخفاق الاحتلال- أعاد للعلاقة القديمة بينهما بريقها ووهجها، فانطلقت الحملات التنصيرية تحت غطاء الحرب على الإرهاب ومؤسسات المجتمع المدني العالمي لتحقيق الهدف الأول -التنصير- وفي الخط الموازي انطلقت حملات السيطرة لتزيح العدو الأكبر للحضارة المادية الغربية -الإسلام- تحت غطاء الحرب على الإرهاب أيضاً والمؤسسات السياسية الدولية، مع تركيز شديد على البناء التحتي للمعركة -القوة الاقتصادية والتكنولوجية- وعمل دؤوب لتجريد الخصم منهما.

في الوقت ذاته، ليس من المصادفة ما يجري في المجتمعات المسلمة حينما تتوافق الحملات الصليبية الخارجية -الجديدة- التي تستهدف شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعقيدته السمحة وأتباعه -الذين يسجلون فصولاً من العزة والكرامة في ميادين المواجهة الفعلية_ تتوافق، مع ما يُروّج من انتقاص سنته والاستهزاء بها -واستنزاف قوى أتباعها في ميادين وهمية- على أيدي بعض الإعلاميين و"مغتصبي الثقافة والفن"في المجتمعات المسلمة.

وليس من المصادفة ما تنفذّه وسائل الإعلام في بلاد المسلمين من حملات"ترشيد المشاعر (الولاء والبراء) ، وحب الآخر أكثر من حب النفس، وتعدد الأفكار -العقائد- والمذاهب"، فضلاً عن"ثقافة المتعة والترفيه"، و"ثقافة الجسد"التي كشفت عن حجم الهزيمة التي يغرق فيها القائمون على هذه الأدوات المعادية سواء كانت مأجورة أو غير مأجورة.

وليس من المصادفة ما يتعرض له التديّن الحقّ -اتّباع الرسول- من التشويه والاتهام بالتطرّف والغلوّ، وتعمّد إلقاء تهم الإرهاب وتمويله على أي مستوى من التنسيق بين المنظمات الإسلامية أو الأفراد المخلصين.

لقد كشفت ردة فعل الأمة على حادثة الرسوم المسيئة لمقام الرسول الكريم أن الغضب الشعبي الإسلامي متعطش لقيادة توجّهه وتنسيق جهوده المتناثرة نحو أهدافه الكبرى للنهوض من الذلة التي تقبع فيها الأمة، تحت وطأة العدو الظالم وبعض الأنظمة المتذبذبة.

وأفرزت تلك الحادثة -ومن قبلها التجارب الديموقراطية- وما تبعها خوفاً شديداً من تصاعد القيادات الشعبية، وتكشّف للعالم الديموقراطي وغيره أن الديموقراطية والمجتمع المدني سيتيحان الفرصة لصعود المد الصحوي الإسلامي في شرق العالم وغربه.

المواقف الحكومية الرسمية في حادثة الإساءة للرسول الكريم جاءت مخجلة ومتأخرة، وكانت تتعمّد تحميل مسؤولية عجزها على أجهزتها الاستخبارتية والدبلوماسية والإعلامية لتبقى حقيقة العجز وترهل الهوية؛ غائبة عن أذهان الشعوب المقهورة.

إلاّ أن القيادات الشعبية استطاعت استثمار الفرصة والتقدم لقيادة الطموحات الشعبية الإسلامية نتيجة المساحات المتاحة -في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر- والتي أوجدت أساساً تحت الضغوطات الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لتتيح للفرق المحلية في بلاد المسلمين -من فرق تنفيذ إستراتيجية الفوضى- تنفيذ أدوارها كطابور أول في المعركة الفكرية.

لما وقع تطاول -بينديكت- تذكرت بعض الحكومات التحرك الشعبي وقوة العلاقة بينه وبين القيادات الشعبية -غير الشرعية كما ترى الأنظمة السياسية العربية- فكانت مجبرة على التحرك حينئذ للالتفاف على القيادة التي تُدار بواسطتها ردّة فعل الأمة، واستطاعت الحكومات عبر مجموعة من الأدوات -في مقدمتها القوة الإعلامية- من السيطرة على الوضع حتى الآن إلى حد كبير.

إن المتابع لوسائل الإعلام في العالم الإسلامي على اختلاف أنواعها وأهدافها -خاصة العربية- سيلحظ أنها تنفذ إستراتيجيات احتواء الشعوب، وترشيد المشاعر، وجلد الذات الفاعلة -وليس المقصرة-، بهدف امتصاص غضبة الأمة، وتوجيه مساراتها لتخرج في النهاية بأبسط العقوبات وأقلها أثراً على العدو -المقاطعة- ثم سرعان ما نجد هذه الوسائل عادت إلى إجراء المصالحة بين الشعوب وبين البضائع المقطوعة!! فهي واثقة من قدرتها بعد احتلال"بغداد"و"قيم الأفغان"بالإعلام!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت