فهرس الكتاب

الصفحة 5336 من 27364

الانتخابات العربية: دلالات وأبعاد

د. عبد الله بن عبد العزيز الزايدي 6/1/1426

تظهر معظم نتائج الانتخابات في العالم العربي فوزًا للاتجاهات الإسلامية أو التي تنسب نفسها إليها بمختلف أطيافها وطوائفها، ففي فلسطين فازت حركة (حماس) في الانتخابات البلدية فوزًا كبيرًا، وفي العراق تغلبت القوائم الدينية على القوائم العلمانية مع ما بذلته من أموال وخدمات لتشجيع الناس على ترشيح قائمتهم.

وقبلها بمدة طويلة انتخابات الكويت التي أسقطت رموز التيار الليبرالي، وزادت نسبة التيار الإسلامي بالرغم من أن معظم الصحف ووسائل الإعلام يهيمن عليها خصوم التيار الإسلامي من الليبراليين الذين لم يألوا جهدًا في الصدّ عنه والسعي لإسقاطه بكافة أطيافه.

ومع أننا في المملكة العربية السعودية لا تظهر الاتجاهات المخالفة للإسلام بشكل علني، ولا تدعو إلى أفكارها بشكل سافر كما هو الشأن في كثير من البلاد العربية؛ فإن نتيجة الانتخابات البلدية أظهرت فوزاً كاسحاً لمن صنّفهم الآخرون على أنهم إسلاميون، مع أنهم لم يطرحوا أنفسهم بشكل مختلف عن الآخرين في خطابهم وبرنامجهم الانتخابي؛ نظراً لأن الجميع تحت مظلة الشريعة الإسلامية، إلا أن وضوح التوجّه الديني هوا لذي دفع الناس لانتخابهم.

وفي هذا الفوز للإسلاميين دلالات ينبغي أن تأخذها كافة القوى المناوئة للإسلام داخل البلاد العربية وخارجها بعين الاعتبار ومن هذه الدلالات:

1-إن خيار الأمة الحقيقي الذي تتوق إليه وتتمنى سيادته هو المشروع الإسلامي الذي يقدم أهل القوة والأمانة والنزاهة؛ لأن الناس قد جربوا أطيافًا أخرى فما وجدوا سوى التفريط بمقدرات الأمة والفساد بأنواعه.

وفي تركيا الخبر اليقين؛ فقد عانت طويلاً من فساد الأحزاب العلمانية وإهدارها لموارد البلاد حتى وصلت نسبة التضخم حدودًا خيالية، وضاقت سبل المعاش على الناس، وضاقوا ذرعًا بهذه الأحزاب المتسلطة على البلاد منذ سنين طويلة، فلما تقدم البديل الإسلامي المتَّسم بالنزاهة والكفاءة بادر الناس لترشيحه على نحو أدهش المراقبين بالرغم من الحملات الإعلامية المضادة، والتي كانت من الشراسة والفجور في الخصومة بحيث كان المراقب لا يظن أن حزب (العدالة والتنمية) يمكن أن يحظى بربع النسبة التي حصل عليها.

2-إن جمهور العرب والمسلمين -بالرغم من تسلط الإعلام المتجه لإضعاف مستوى التدين في العالم العربي والإسلامي- لا يزال متمسكًا بدينه، مصرًا على إنجاح خياره الإسلامي، مما يؤكد أن تلك الجهود المأزورة لم تؤت ثمارها السيئة بالقدر الذي كان يأمله القائمون على ذلك الإعلام والمالكون له والموجّهون لأهدافه.

3-الظلم الشديد الذي يلاقيه هذا التيار الممثل للأمة والمعبر عن رغباتها والناطق باسم جماهير من قبل الوسائل الإعلامية؛ إذ لا تحتفي أجهزة الإعلام بمثل هذا الفوز مطلقًا، ولا يجري الإعلاميون مقابلات مع الفائزين، ولا يعطونهم مجالاً للتعبير عن مشروعهم واغتباطهم بهذا الاختيار. ولا تلقى مثل هذه الاتجاهات من يمثلها ويعبر عن رأيها في وسائل الإعلام.

وفوز حركة (حماس) في الانتخابات البلدية في غزة مثال واضح؛ إذ لم يلق الصدى الإعلامي الموازي له، بل ربما حاول المناوئون في هذه الوسائل البحث عن أسباب غير طبيعية لهذا الفوز، محاولين التقليل من دلالاته والتهوين من أثره، بل ربما تجاوز الأمر إلى الطعن في مشروعيته؛ لكونه -بزعمهم- ناتج عن استثمار المشاعر الدينية للجمهور. بينما يحدث العكس تمامًا في حال فوز الاتجاهات العلمانية ويمكن تأكيد هذه الحقيقة بمطالعة الصفحة الأولى للكثير من الصحف العربية بعد إعلان نتائج الانتخابات.

4-إن التيارات الإسلامية تفوز باختيار الشعوب بهذه النسب المرتفعة بالرغم من الحملات الإعلامية المضادة، وبالرغم من عدم امتلاك هذه التيارات أجهزة الإعلام الرسمية والقنوات الفضائية التي غالبًا ما تُسخّر لخدمة القوى المناوئة للتيارات الإسلامية. فكيف لو كان لتلك التيارات الوسائل الإعلامية المكافئة لما لدى خصومها؟ ففي دولة مثل المغرب سخرت أجهزة الإعلام لتشويه التيارات الإسلامية بشتى الأساليب وحملات التشويه المحترفة، ومع ذلك فقد فاز التيار الإسلامي بنسبة تُعدّ مرتفعة قياسًا لما كان متوقعًا نتيجة الحملات المضادة.

5-إن عمليات التفجير والعنف التي مارسها بعض الشباب المتهور المتحمس المندفع بدوافع دينية، والتي استثمرها الإعلام المناوئ وحسبها على التيارات الإسلامية وحمّلها وزر هذه الأعمال الإرهابية، لم تفلح في إسقاط شعبية التيارات الإسلامية وإضعافها.. مما يؤكد وعي الناخب العربي، وأنه لم تنطل عليه أساليب المكر والتشويه.

6-إن هذه النتائج رسالة جلية توجهها الجماهير لحكومات بلادها وللعالم أجمع، وهي أنها لا ترضى بديلاً عن الإسلام دينًا وحضارةً ومنهج حياةٍ، وأنها تريد حكومات تحقق لها هذا المطلب العزيز، ولا تقهرها على تبني النظم المخالفة من علمانية وليبرالية وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت