فهرس الكتاب

الصفحة 10399 من 27364

كثر الحديث عن نهاية الاستشراق ومن ذلك ما كتبه علي حرب في صحيفة محلية في المملكة زاعماً أن الاستشراق أضعف فروع المعرفة في الغرب وهو في طريقه إلى الانقراض [1] . وناقش الدكتور أكرم ضياء العمري هذه المسألة في محاضرة له بعنوان"الاستشراق هل استنفد أغراضه؟" [2] وقد خلص الدكتور العمري أن الاستشراق لم يستنفد أغراضه بعد فما زال قائماً ومازالت مئات الدوريات تصدر عنه ومازالت المطابع تدفع إلى الأسواق مئات أو ألوف الكتب كل عام من تأليف الباحثين الغربيين. وطالب في ختام محاضرته أو كتابه أن يتقدم المسلمون أولاً لتمثيل أنفسهم أمام أنفسهم ثم يمثلوا أنفسهم أمام العالم.

وتعود قضية نهاية الاستشراق إلى آخر مؤتمر للمستشرقين عقد تحت رعاية المنظمة الدولية للمستشرقين في مدينة باريس بفرنسا عام 1973م، وكان هذا المؤتمر الاستشراقي في مناسبة مرور مائة عام على بداية عقد المستشرقين. وفي هذا المؤتمر دار نقاش وتصويت بين المستشرقين على تغيير الاسم وتسمية الجمعية باسم جديد هو"المؤتمر العالمي للدراسات الإنسانية حول آسيا وشمال أفريقيا". وعقد تحت هذا الاسم مؤتمران ثم تغير الاسم إلى"المؤتمر العالمي للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية". وقد عقد المؤتمر مؤخرا في مدينة بودابست بالمجر، وحضره أكثر من ألف باحث معظمهم من أوروبا وأمريكا وروسيا في شهر ربيع الأول 1418هـ (7-12يوليه 1998م) وحددوا موعد المؤتمر القادم في مونتريال بكندا عام 2000م.

وقد يقول بنهاية الاستشراق من ليس له إطلاع على أقسام الدراسات العربية وأقسام دراسات الشرق الأدنى والشرق الأوسط أو مراكز البحوث والمعاهد المتخصصة أو معاهد البحوث الاستراتيجية أو معاهد البحوث حول الشؤون الدولية. ذلك أن النشاط الاستشراقي في هذه المراكز والأقسام مستمر ومتواصل وأن القوم لم تنقطع صلتهم بالحركة الاستشراقية بل هناك من الدلائل على أنهم ينطلقون في دراساتهم للعالم الإسلامي عقيدة وشريعة وأخلاقاً واجتماعاً وغير ذلك من المجالات مستندين إلى الجهود الاستشراقية لجولدزيهر وشاخت وبيكر ونولدكه وتوماس آرنولد وغيرهم.

وقد يكون الاسم قد تغير ودخل إلى مجال الدراسات الشرق أوسطية باحثون لا يتصفون بالصفات أو المؤهلات التي كانت للمستشرقين ولكن العمل في البحث في كل قضايا المسلمين ما زال قائماً وإن تغيرت بعض مناهج الدراسات أو أساليبها أو طريقة عرضها. كما أن الدراسات العربية الإسلامية تستعين حالياً بعدد كبير من الباحثين المسلمين والعرب الذين يجدون كل التأييد والدعم والمساندة من المراكز الاستشراقية أو مراكز دراسات الشرق الأوسط.

نهاية الاستشراق كما يراها الغربيون

بعد أن أصدر إدوارد سعيد كتابه الاستشراق بأربعة أعوام كتب برنارد لويس مقالة طويلة بعنوان (مسألة الاستشراق) يتناول فيها ما توصل إليه المستشرقون في مؤتمرهم العالمي في باريس عام 1973 فكان مما قاله"لقد أصبحت كلمة"مستشرق"منذ الآن فصاعداً ملوثة هي الأخرى أيضاً، وليس هناك أمل في الخلاص، ولكن الضرر هنا أقل لأن الكلمة كانت قد فقدت قيمتها وحتى أولئك الذين تدل عليهم تخلوا عنها …". وكانت مناسبة جيدة لإعادة النظر في طبيعة المؤتمر ووظائفه، ثم سرعان ما تبين لهم أنهم متفقون جميعاً على ضرورة التخلي عن هذه التسمية (تسمية الاستشراق) [3]

ولنا أن نتساءل، ما الأسباب التي أدت إلى أن تصبح كلمة"مستشرق"ملوثة؟ هل أتي هذا التلوث من فراغ أو كان للمستشرقين يد في إحداث هذا التلوث بما ارتكبوه من أخطاء جسيمة في دراساتهم للإسلام ولتاريخ الأمة الإسلامية. فلو توقفنا عند الاستشراق في القرون الوسطى الأوروبية نجد أن الأوروبيين أنفسهم قد اكتشفوا ضخامة الأحقاد التي حملتها تلك الكتابات التي كانت مدفوعة بمحاربة الإسلام وتشويه صورته في أذهان الغربيين حتى لا يقبلوا على الإسلام أو حتى يستخدمها المنصرّون الذين بدؤوا ينطلقون إلى أنحاء العالم لنشر ديانتهم أو السيطرة على الشعوب الأخرى التي كانوا ومازالوا يرونها أقل منهم حضارة ومدنية.

والأسباب كثيرة التي أدت إلى تلوث مسمى الاستشراق ومن ذلك ارتباط بعض المستشرقين بالدوائر السياسية والمخابراتية لبلادهم حيث قدموا خدمة الأغراض السياسية على الإخلاص للبحث العلمي. كما أن بعضهم كان مدفوعاً بأحقاد الماضي التي لم يستطع التخلص منها. (*)

وهل انتهى التلوث بانتهاء هذا الاسم؟ بعد أن لم يعد في معظم الجامعات الأوروبية والأمريكية أقساماً يطلق عليها اسم (الاستشراق) ؟ فالذي يبحث في إنتاج هذه الأقسام أو الأساتذة الذين يعملون فيها أو الاهتمام الذي يولونه لبعض العرب والمسلمين المتأثرين بالفكر الغربي في النظرة إلى الإسلام والمسلمين أو الذين ترفضهم المجتمعات الإسلامية فيجدون الملاذ الآمن في المجتمعات الغربية يعرف أن التلوث مازال قائماً حتى في الأقسام الجديدة فقد تغير الاسم وبقي المسمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت