فهرس الكتاب

الصفحة 10400 من 27364

ويمكننا القول إن ظهور هذه الأسماء الجديدة أو الأقسام والتخصصات والتفرعات الجديدة لا يعني نهاية الاستشراق، وإنما ذلك تطور طبيعي لمجال معرفي كان محصوراً في عدد محدد من المتخصصين في الشرق وبخاصة العالم العربي الإسلامي. ولما أصبحت العلوم المختلفة ذات كيانات مستقلة كعلم الاجتماع وعلم الإنسان والعلوم الأخرى وأصبح لها معطيات ومناهج جديدة فلا بد أن يستفاد منها في دراسة الشعوب الأخرى للتمكن من المعرفة الدقيقة لهذه الشعوب.

ويرى رودنسون أنه بالرغم من ذلك فإن كثيراً من المستشرقين مازالوا مصرين على وجود هذا المجال وأنهم كما يقول"سجناء الاستشراق، منغلقون على أنفسهم داخل غيتو، وهم سعداء في ذلك غالباً! بل إن مفهوم الاستشراق نفسه ناتج عن ضرورات عملية عابرة التقى عندها العلماء الأوروبيون المتمرسون بدراسة الثقافات الأخرى، وشوّهت هذه الحالة بقوة رؤيتهم للأشياء." [4]

وليس الأمر صحيحاً في أن مفهوم الاستشراق نفسه ناتج عن ضرورات عملية وأن هذه الحالة شوهت بقوة رؤيتهم للأشياء فما زال الباحثون الغربيون ينهلون من الكتابات الاستشراقية وما زالت بعض كتاباتهم تحتوي على التشوهات نفسها التي ظهرت حتى في كتاباتهم في القرون الوسطى الأوروبية. وقد أصبحت كتابات المستشرقين مصادر لكثير من الإعلاميين فانتقلت التشوهات والأخطاء والمفتريات الاستشراقية من المجال الأكاديمي إلى المجال الإعلامي فازدادت انتشاراً وذلك لسيطرة وسائل الإعلام في مجال نشر الفكر والثقافة في العصر الحاضر. ويؤخذ على الإعلاميين أنهم يأخذون أبحاث المستشرقين الغربيين على أنها مسلمات ثابتة وليست أفكاراً قابلة للخطأ والصواب، وقابلة للتحيز والإنصاف.

أما المستشرق الإسباني فراسيسكو غابرييلي فيرى أن الاستشراق الذي كان يعد في البداية علماً واحداً متكاملاً"سرعان ما انقسم إلى فروع وتخصصات مستقلة بعضها عن بعض ومتعلقة بمختلف الحضارات الخاصة بالشرق الأفريقي -الأسيوي."وأشار إلى الجمعيات الاستشراقية التي ما تزال قائمة مثل (الجمعية الاستشراقية الألمانية، والجمعية الآسيوية الملكية الإنجليزية والجمعية الآسيوية الفرنسية) وكذلك المؤتمرات الاستشراقية"قد أخذت تميل إلى عقد مؤتمرات أكثر تخصصاً بشؤون العالم العربي والإسلامي والهندي والصيني وغير ذلك من مجالات البحث والتخصص." [5]

ويرى غابرييلي أن الاستشراق"الذي كان في طريقه إلى الضياع أو بالأحرى إلى الانحلال والذوبان في تخصصات فرعية دقيقة أكثر فأكثر، وذلك من وجهة نظر علمية بحتة، أصبح الآن موحداً من جديد ومتحلياً بشخصية أيديولوجية وسوسيولوجية وسياسية. ولكن هذه الصورة المقدمة عنه غير مقبولة من وجهة نظرنا، وذلك لأنه من خلال هذه الصورة بالذات وضع في قفص الاتهام، وراحوا يحاكمونه على أصوله ومقاصده ومناهجه ونتائجه." [6]

ويؤكد غابرييلي على أن الاستشراق الذي درس الشعوب الأخرى بمناهجه ومفاهيمه الخاصة لا يمكنه التراجع عن ذلك بل يرى أن ذلك حقاً له"فالواقع أنه يحق للغرب أن يطبق على الشرق مفاهيمه ومناهجه وأدواته الخاصة التي كان قد بلورها في تاريخه الحديث، كما يحق له أن يطبق معاييره الخاصة على ما ندعوه بالتاريخ والحضارة والثقافة والفلسفة والشعر، بمعنى آخر فإنه إذا كان البعض يحلمون بإمكانية جعل الفكر الغربي يتراجع عن نتائج دراساته التاريخية الطويلة للبشرية وتفسيرها فإنهم واهمون." [7]

ومن الذين تناولوا نهاية الاستشراق المستشرق الفرنسي كلود كاهين في رده على مقالة أنور عبد الملك (أزمة الاستشراق) حيث بدأ بالحديث عن إنجازات الاستشراق وفضله على الباحثين العرب المسلمين فقال"ولكن ينبغي أن يعرفوا أيضاً أن الاستشراق الأوروبي هو الذي أخذ المبادرة في العصور الحديثة لدراسة تاريخهم الخاص، وأنه لولاه لكانوا عاجزين عن أن يقولوا عن ماضيهم نصف ما يستطيعون قوله اليوم بطريقتهم الخاص، فنحن لا نزال نمتلك حتى الآن الميزة المتفوقة التالية، إننا قادرون على الاهتمام بتاريخ كل شعوب العالم وليس بتاريخنا الخاص." [8]

ويرى كاهن أن التقدم العلمي الغربي الحاضر يفرض على الشعوب الأخرى حين تريد دراسة الحضارات الأخرى أن تأخذ بالنموذج الغربي وذلك في قوله"وفي يومنا هذا نلاحظ أن خط التقدم العلمي والنضج الثقافي اللازم لدراسة هذه الحضارات الشرقية أو الغربية لا يزل يمر من خلال الاستشراق الغربي، أي من خلال الفكر التاريخي والفيلولوجي والاجتماعي الأوروبي" [9] ويضيف كاهن قائلاً"ونلاحظ أن بعض الشرقيين الأذكياء والجريئين قد أخذوا يسلكون هذا الطريق واستطاعوا في بعض الحالات أن يصلوا إلى مستوى زملائهم الغربيين أنفسهم من حيث السيطرة على المنهجية العلمية." [10]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت