هذه هي نظرة الاستعلاء الغربية فالعلماء العرب لم ينكروا تقدم الغرب ومدنيتهم ولكن أن يسعى العالم فقط لأن يلحق بالغرب فقط وينتظر من علمائه شهادة التفوق والذكاء فهذا أمر لا تقبل به أي حضارة مهما كانت متخلفة فكيف بالحضارة الإسلامية؟ وحتى إن كانت البلاد الإسلامية تعاني من التخلف في المجالات العلمية والتقنية فإننا لا ننتظر الشهادة من الباحثين الغربيين. ويمكن أن نلاحظ أن الباحثين العرب الذين وصلوا إلى المستوى الذي يرضى عنه كاهن إنما هم طه حسين وهشام جعيط ومحمد عابد الجابري وأنور عبد الملك وعزيز العظمة وأمثالهم ممن تأثروا بالفكر الغربي والمناهج الغربية. (*)
أما بالنسبة لمشاركة المسلمين في دراسة قضاياهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فإن معهد الدراسات الإسلامية في مونتريال بكندا قد بدأ منذ أكثر من خمسين سنة يشجع الطلاب العرب والمسلمين على دراسة أوضاع بلادهم تحت إشراف أساتذتهم من المستشرقين. وقد كان المبرر الذي ذكره تقرير هايتر لذلك أن الطالب العربي المسلم يكون بعيداً عن بلاده ومشكلاتها ويستطيع بالتالي أن يبحث بحرية وتجرد أكثر مما لو كان في بلاده. وقد أعجبت هذه الفكرة معدو تقرير هايتر فقرروا نقل الفكرة إلى الجامعات البريطانية. [11] ولكن لا بد أن نذكر أن هناك مبررات أخرى وهي أن الباحث العربي المسلم أقدر على جمع مادته العلمية من بلاده، وقد يكون في ذلك أحياناً توفير للنفقات المالية التي يمكن أن يتكلفها الباحث الغربي لو كان محتاجاً لجمع هذه المادة. وذكر أحمد غراب أن بعض البحوث التي يوجه الطلاب العرب للقيام بها ذات طبيعة استخباراتية وذكر من ذلك أنه طلب من أكثر من باحث مسلم أن يبحث في قضايا الحركات الإسلامية في بلاده وإذا ما رفض الطالب فإنه قد لا يسمح له بتسجيل موضوع آخر. [12]
ويرى برايان تيرنر B r yan S. Tu r ne r أن الاستشراق قد أظهر العديد من أعراض الأزمات الداخلية والانهيار منذ الحرب العالمية الثانية ، ولكن البديل لم يكن من السهل إيجاده وذلك لأن الاستشراق ما زال يحتفظ بدعم فكري ومؤسساتي، فالاستشراق يملك مقومات ذاتية تدعم وجوده. وقد جرت عدة محاولات لإعادة بناء هذا المجال العلمي ومن أمثلة ذلك ما قامت به مجلة دراسات الشرق الأوسط r eview of Middle East Studies ومشروع بحوث ومعلومات الشرق الأوسط Middle East r esea r ch and Info r mation P r oject. (ME r IP) [13]
-الحواشي:
[1] -علي حرب."الأنا والآخر بين الاستشراق والاستغراب. في عكاظ. ع (11603) ، 4صفر 1419 الموافق 29مايو 1998."
[2] -أكرم ضياء العمري . موقف الاستشراق من السيرة والسنّة النبوية. (الرياض:مركز الدراسات والإعلام:دار إشبيليا، 1417/1998. وكان هذا الكتاب قد نشر في ملحق التراث بجريدة المدينة المنورة بعد إلقاء المحاضرة بعدة أشهر من إعداد كاتب هذه السطور حيث استنسختها من الشريط.
[3] -برنارد لويس."مسألة الاستشراق"في الاستشراق بين دعاته ومعارضيه. إعداد هاشم صالح (لندن: دار الساقي، 1994) ص 159-182. وقد نشرت المقالة أصلاً في New Yo r k r eview of Books وقد ناقشت هذه المقالة في كتابي ( الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي( الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية ، 1416)
* -من المستشرقين الذين ارتبطوا بالدوائر الاستعمارية صراحة المستشرق الهولندي سنوك هورخرونيه ولكن كبار المسؤولين الهولنديين في جامعة ليدن بهولندا أصروا على الإشادة به في افتتاح المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين الذي عقد في ليدن في يونيو 1996.
[4] -المرجع نفسه.
[5] -فرانسيسكو غابرييلي."ثناء على الاستشراق"في المرجع السابق. ص 21-30 ونشر الأصل بالفرنسية بعنوان Apologie de l'O r ientalisme. In Diogene, No. (50) 1965.
[6] - المرجع نفسه .
[7] - المرجع نفسه.
[8] -كلود كاهن."كلود كاهن يرد على أنور عبد الملك:رسالة إلى رئيس تحرير مجلة"ديوجين."في الاستشراق بين دعاته ، مرجع سابق ص 35-38."
[9] - المرجع نفسه.
[10] - المرجع نفسه.
* -تحدث أحد المستشرقين الكنديين في المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام في القرن الواحد والعشرين الذي عقد في ليدن في الفترة من 3-7يونيو 1996 عن تجربته مع الباحثين الإندونيسيين بحكم تخصصه في الإسلام الإندونيسي وأثنى على تطورهم . فتعجبت من هذا الأسلوب الأبوي فيكف يضع المستشرق نفسه في موضع الحَكَم على الباحثين المسلمين ، وكأنه يشير إلى أن احتكاكهم بالغرب هو الذي أفادهم وجعلهم يتطورون.
[12] -أحمد عبد الحميد غراب. رؤية إسلامية للاستشراق.ط2 (بيرمنجهام: المنتدى الإسلامي، 1411) ص 145.