فهرس الكتاب

الصفحة 24311 من 27364

أ. سمير مرقص**

مما سبق وقبل البدء في التعرف على الرؤى المعاصرة الغربية السياسية للعلاقة بين الحضارات لا بد من التأكيد على أن الغرب ينطلق من أرضية فكرية تقول: إنه أنجز ماديا وروحيا، وإن حضارته هي الحضارة التي يجب أن يقتدى بها. وبفضل هذا الإنجاز فإنه لديه الحق كل الحق في تحديد طبيعة العلاقة وفق ما تمليه عليه مصالحه."فالتقدم المادي لا يحدث دون تعبئة روحية وتجديد في القيم؛ بمعنى اكتساب قيم جديدة حول العمل والإنجاز والحقوق والواجبات".

فالقيم -أخلاقية كانت أو دينية- جزء من سيرورة المجتمع، وهي أيضا تتجدد بتجدد المجتمع؛ فالرق الذي كان مقبولا لم يعد كذلك، أما الديمقراطية والحق المطلق بالملكية الخاصة والانتخابات وحقوق الإنسان والمواطنة فهي مبادئ جديدة عرفت في الغرب الأوربي أولاً ثم الأمريكي. إن تقدم الغرب ليس مجرد إضافات لإنجازات مادية على منظومة قيم ثابتة؛ بل جاء نتاجا لتجدد مادي وروحي، ربما يكون قد تم بسبب التوسع الخارجي ونزح الثروات، إلا أن ذلك أمر آخر؛ حيث تحقق الإصلاح الديني في الداخل الغربي: الأوربي ثم الأمريكي، وتم إنجاز التقدم العلمي، ومورست مبادئ الديمقراطية وولد الفرد المواطن.

وبالرغم من أن هذه الرؤية تحمل قدرًا من الإدراك بالذات الحضارية في علاقتها بالحضارات الأخرى -وهو الإدراك الذي حكم العلاقة بين الغرب والآخرين على مدى زمني طويل، فسادت هذه الرؤية على حساب رؤى أخرى- فإن الواقع الغربي لم يمنع في إطار سياقه الداخلي أن تعبر الرؤى الأخرى عن نفسها. صحيح أن المصلحة السياسية قد حددت إلى حد كبير أن تسود الرؤية ذات الطبيعة المهيمنة بسبب التوجهات التوسعية التي حكمت السياسات الغربية على مدى قرنين من الزمان.

وفي محاولة للاقتراب من هذه الرؤى والتعرف عليها وتسمية الأمور بمسمياتها يمكننا رصد ثلاث رؤى غربية فيما يتعلق بالعلاقة بين الحضارات وبخاصة في بعدها السياسي، وذلك كما يلي:

1.الرؤية الاستشراقية/المناطقية (القديمة/الجديدة) .

2.الرؤية الاستشراقية المعدلة.

3.الرؤية المدنية/الشعبية/القاعدية.

بيد أنه -قبل استعراض الرؤى الثلاث- لا بد أن نشير إلى أن أحداث 11/9 قد أظهرت أن العنوان الرئيسي لها هو"الغرب والإسلام"، وهو ما تجلى في ردة فعل الإدارة الأمريكية -تصريحا وتلميحا- وربما أوربا، حول العلاقة بين الحضارتين، ومن ثم فإن رصدنا للرؤى الثلاث ينطلق من هذا الأمر؛ أخذًا في الاعتبار أننا نميل إلى عدم اختزال الأمر في العلاقة ذات الطبيعة الدينية أو الثقافية -صداما كانت أو حوارا- وإنما إلى إدراك الأسباب الحقيقية وراء الإصرار على جعل العلاقة ذات طبيعة دينية وثقافية والخلط بين مفاهيم الثقافة والحضارة والدين من دون تمييز، والأمر لدينا يبدو وكأنه مقصود"لتغطية المصالح"الحقيقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت