فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 27364

د. محمد محمد بدري

ليس كل ما يعلم يقال، وليس كل ما يقال يقال في كل وقت.

ففي بعض الأوقات يكون الصمت هو الواجب، فإذا استغل الأعداء هذا الصمت كان الكلام هو الواجب.

وهذا المقال محاولة للتوفيق بين واجب الصمت وواجب الكلام في طبيعة الصراع بين الإسلام وأعدائه، وبعد قراءة المقال يكفي القارئ أن يفتح عينيه على الواقع ليرى أمارات هذا الصراع، بل ربما يستخلص من الوقائع المعروضة نتائج لم تلفت انتباهنا، أو أغفلناها خلال هذا المقال احتياطًا من التطويل ورغبة في التحديد.

وكل ما نتمناه أن يقوم في الحركة الإسلامية من يتصدون لكشف سبيل أعدائها (سبيل المجرمين) حتى لا تبقى الحركة معرضة لهجماتهم دون عون أو نجدة.

إن من سنن الله الجارية التدافع أو الصراع بين الحق والباطل، قال تعالى: (ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) [البقرة: 251] ، فالله عز وجل يدفع بأهل الحق أهل الباطل، وهكذا يستمر الصراع بين الأنبياء وأتباعهم، وأتباع الشيطان، بين الأنبياء والجماعات الضالة الذين يرفضون حكم الله وشريعته ويتمسكون بحكم الجاهلية، ولن ينتهي هذا الصراع حتى تنتهي الدنيا.

ولاشك أن للأفكار قيمة كبيرة كأداة من أدوات الصراع بين الحق والباطل، وما سلوك الإنسان وتصرفاته إلا نتيجة لأفكاره، فإذا تغيرت أفكاره بجهده هو أو عن طريق جهد غيره فإن سلوكه يتغير، وهذا التغيير قد يصل إلى النقيض، فهناك فكرة قد تجعل إنسانًا ينحني ويسجد لصنم من الحجر، وفكرة أخرى تجعل إنسانًا آخر يحمل الفأس ليكسر ذلك الصنم ويحطمه! ولأن الأفكار بهذا القدر من الأهمية في الصراع بين الحق والباطل فإنه ومنذ تقرر في أوكار الصهيونية تدمير الخلافة الإسلامية وأعداء الإسلام يحرصون على تخريب الفكر الإسلامي وتشويه العقل السليم من ناحية، ومن ناحية أخرى يقومون برصد الأفكار الفعالة التى تحاول إيقاظ الأمة من سباتها، لكي يقضوا عليها في مهدها أو يحتووها قبل أن تصل إلى جماهير الأمة فتصحح وجهتها أو تعدل انحرافات أفرادها، ولتبقى الجماهير إذا اجتمعت تجتمع على أساس العاطفة وتحت سلطانها، وليس على أساس (الفكرة..والمبدأ..) .

وأعداؤنا يستخدمون في ذلك مراصد دقيقة تتلقى أي إشارة خطر عن فكرة أو كتاب ربما قبل أن تصل الفكرة إلى جماهير الأمة! فماذا يفعل الأعداء عندما تعطيهم مراصدهم تلك الإشارة؟ كيف يتصرفون ليحُولوا بينها وبين المجتمع الذي يحاول صاحبها نشر الفكرة فيه؟ إنهم في البداية يتعرفون على الفكرة بدراستها دراسة دقيقة، ثم يبدأون فيما يمكن أن نسميه مرحلة (المواجهة) وفي هذه المرحلة يبذل الأعداء جهدًا ضخمًا ويستخدمون مواهبهم الشيطانية كلها حتى لا يكون لتلك الفكرة أي عائد أو نتيجة..

ووسائلهم في ذلك كثيرة، وهم يغيرون منها دائمًا ويعدلون فيها تمشيًا مع القاعدة التى تقول: (إن كل فخ عُرف مكانه يصبح دون جدوى) ، فوسائلهم تتنوع حسب الظروف مع المحافظة على المبدأ الأساسي وهو (تحطيم الفكرة أو شلّها) ! ! فهم تارة يصوبون ضرباتهم على اسم صاحب الفكرة وشخصه؛ لكي يصيبوا فكرته بحيث يصلون إلى أن يصبح اسم صاحب الفكرة كافيًا في النفور منها بل ومن الكتاب الذي يضمها وعدم قراءته من الكثيرين الذين يحكمون على فكرة معينة أو كتاب معين وفق انعكاسات حدثت تجاه صاحبها وبمقتضى الكلام عن صاحب الفكرة والكتاب وليس من خلال جوهر الفكرة وما فيها من برهان.

وهم تارة يستخدمون طريقة (الهُتافات والشعارات) وهم في هذه الطريقة يرتكزون على ميل أفراد الحركة الإسلامية إلى السهولة فيصوغون الفكرة في مجموعة من الشعارات والهتافات فيتحول الأفراد عن (مشقة) البناء إلى (سهولة) الشعارات والهتافات! ! وفي أحيان أخرى يستخدم الأعداء طريقة (التشويش) عن طريق إضافة مجموعة من الأفكار الثانوية إلى الفكرة الأصلية بحيث تُضعف هذه الأفكار الثانوية سلطان الفكرة الأصلية على العقول، ويكفينا أن ننظر في واقعنا لنرى كم مرة طُبقت هذه الطريقة معنا وكم مرة شاركنا فيها دون وعي؟ ! وتارة أخرى يستخدم الأعداء أسلوب إثارة الشبهات..

فإذا خرجت الفكرة في صورة كتاب يقدم أيديولوجية واضحة للصراع مع الأعداء، ألقوا على هذا الكتاب ما يشوه صورته أمام أفراد الحركة الإسلامية، وخلقوا حوله شبهات كثيرة بحيث لا يسهل إزالتها فينصرف أفراد الحركة عن مجرد الاطلاع على الكتاب لكثرة ما أثير حوله..

ولا نريد أن نضرب أمثلة! فكم من كتب طيبة فرض أفراد الحركة الإسلامية حول أنفسهم ستارًا حديديًا يمنعهم من قراءتها لهذا السبب! وفي أحيان أخرى يستخدم الأعداء طريقة (الاستبدال) فيطلقون هم أنفسهم فكرة جديدة تكون أقل ضررًا على مصالحهم من الفكرة ا لأصلية.

وهكذا يبقى الصراع مع الأفكار..

ونحن إذ اكتشفنا بعض التفاصيل عن طبيعة هذا الصراع فبقية التفاصيل الكثيرة للصراع تبقى في الظلام، ويصعب وصفها كما يصعب وصف بيت العنكبوت، وخاصة إذا كانت خيوطه تأتي من بعيد ولا يحيط بها بوضوح إلا من وفقه الله عز وجل وأضاء بصيرته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت