فهرس الكتاب

الصفحة 24553 من 27364

د. نهى قاطرجي

إذا كانت قراءة تاريخ الأمم والشعوب مفيدة من أجل الاطلاع على أخبارهم وأخذ العبر منها، على اعتبار المثل المعروف"التاريخ يعيد نفسه"، فإن قراءة التاريخ الإسلامي تفيد في استرجاع أسباب القوة المطلوبة لقيادة العالم من جديد، وهذا يتطلب كما هو معروف امتلاك الشروط الموضوعية التي وضعها الله عز وجل في اطار سنن ونواميس ثابتة لا تتغير .

ومما يؤكد على أن الإسلام هو المؤهل لهذه المهمة أمران: الأول صراع الحضارات التي ركّزت عليه الدول الغربية مدركة من خلاله أن الإسلام بما يمثله من تكامل ورقي هو العدو الوحيد لها، والثاني الفساد والعدوان على الناس وعلى الأموال والأعراض التي انتهجته تلك الدول مطبقة بذلك لسُنة الأفول التي جعلها الله عقاباً للمخالفين ، قال تعالى:"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا".

هذا وقد أكّد كثير من المفكرين القدامى والمحدثين على حقيقة هذه السنن، فقال ابن خلدون في هذا المجال:"العدوان على الناس في أموالهم وحَرُمِهِم ودمائهم وأسرارهم وأعراضهم ... يفضي إلى الخلل والفساد دفعة واحدة وتنتقض الدولة سريعاً بما ينشأ عنه من الهرج المفضي إلى الانتفاض".

وقال المفكر الغربي"برتراند رسل": إن بقاء السيادة إلى الأبد ليس قانوناً من قوانين الطبيعة واعتقد أن الرجل الأبيض لن يلقى أياماً رضية كتلك التي لقيها خلال أربعة قرون .

من هنا فإن إجراء مقارنة بسيطة بين ماضي المسلمين وحاضرهم أمر ضروري من أجل ادراك سنن الله عز وجل في النصر، والخلاص من الثقافة الانهزامية التي تتهم الإسلام بالنقص والتخلف، بينما الحقيقة كما قال المفكر"محمد أسد"أن الإسلام كان وسيبقى كاملاً بنفسه، إلا أن ما نحتاج إليه فعلاً،"هو إصلاح موقفنا من الدين، لمعالجة كسلنا وغرورنا وقصر نظرنا وبكلمة واحدة، معالجة مساوئنا نحن لا المساوئ المزعومة في الإسلام، ولكي نصل إلى احياء أسلامي فإننا لا نحتاج إلى أن نبحث عن مبادئ جديدة في السلوك نأتي بها من الخارج، إننا نحتاج فقط إلى أن نرجع إلى تلك المبادئ القديمة المهجورة فنطبقها من جديد".

ومن الاختلافات التي يمكن تسجيلها بين مسلمو اليوم ومسلمو الأمس ما يلي:

1-التمسك بالوحي الإلهي: الذي عنى به المسلمون الأوائل كل ما جاء به الرسو صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحي، إن كان ما ورد في القرآن الكريم أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، والتي بذل المسلمون من أجل حفظها من التحريف والتدليس الغالي والرخيص من المال والوقت والجهد، وأوجدوا لأجلها العلوم الشرعية مثل علم مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، كل هذا تطبيقاً لشرع الله عز وجل الذي أورد في محكم تنزيله:"ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".

وهذه الوحدة في مصادر الشريعة لم تعجب بعض المستغربين من أبناء المسلمين اليوم الذين دعوا إلى الفصل بين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فتقبلوا الأول على أن يتعاملوا مع نصوصه معاملة تاريخية، ورفضوا الآخر بحجة ضعف الأحاديث والتشكيك بالرجال، يقول"جمال البنا"في هذا المجال: إن النهوض بالإسلام يكون بالعودة"إلى القرآن الكريم مباشرة، دون تقيّد بتفسيرات المفسِّرين، وضبط السُنة بمعايير من القرآن إذ ثبت أن السند لا يمكن أن يكون معياراً لأنه جزء من عملية الوضع التى فشت في الحديث فلم يبق إلا الاحتكام إلى القرآن. ولما كانت السُنة مبينة للقرآن، فمن البديهى أنها تلتزم"

بالقرآن. وأخيراً عدم الالتزام بالأحكام الفقهية التى وضعها أئمة المذاهب الأربعة أو غيرهم"."

من هنا كانت الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد الذي أرادوا من وراءه إعادة قراءة النصوص القرآنية قراءة جديدة بعيدة عن أدوات الاجتهاد وهي العلم بالكتاب والسنة واللغة العربية والإجماع الذي يمثل هوية الإسلام والمقاصد الشرعية من حفظ للنفس والعقل والدين والعرض والمال .

وكان من أهم الاجتهادات المعاصرة التي خرجوا بها: إشاعة الفكر العلماني الذي لا يتعارض مع الدين ،بزعمهم، بل يتعارض مع تسييس الدين، لأن الإسلام لم يرد للأنبياء أن يكونوا ملوكاً أو مؤسسي دول وإنما أرادوهم دعاة، دورهم التبليغ ، وجردهم من كل سلطة .

وكان منها أيضاً اعطاء المرأة حريتها المزعومة، ومنع التعدد الزوجات، ورفض الحجاب، وإباحة الربا، ووقف عقوبات الجلد والصلب وقطع الأيدين .

2-الاعتزاز بالتاريخ القيادي: الذي يشهد على تفوق المسلمين عسكرياً، ويشهد على ذلك انتصاراتهم وفتوحاتهم التي وصلت إلى الحدود الفرنسية، وكان من أبرز هذه الانتصارات، انتصارهم على البريطانيين في الشام وعلى القوط النصارى في الأندلس، وعلى الصليبيين في فلسطين والتي انتهت باستعادة الأقصى على يد صلاح الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت