أما اليوم فلقد كان من نتائج اتفاق الأمم كلها على تقسيم التركة العثمانية وتفتيت المسلمين إلى دويلات صغيرة مستعمرة، أن نسي المسلمون تاريخهم ورجالهم، وافتخروا بدور المستعمرين وبطولاتهم، حتى أن أحدهم أشاد بالمستعمر الفرنسي"نابليون"لمصر والحملة الفرنسية عليها التي أيقظتها وجعلتها ترى نفسها في مرآة الغرب .
وكان من نتائجه أيضاً وجود جيل من المسلمين المشككين بصلاحية الإسلام للحكم، فاعتبر أحدهم أن"صلاحية الغرب للحكم والقيادة، وتوجيه ركب الحضارة حقيقة لا ينبغي أن نكابر فيها، أو نتجاهلها، وأن انتصار الغرب على الشرق حكم القدر، وناموس الكون، وتدرج التاريخ، لا فائدة من مواجهته ومقاومته،أو مقارعته بالحجة والبرهان ، أو بالسيف والسنان، ولا بد لنا من الخضوع أمامه وقبوله على علاته، إذا كان له علات".
كما نصح الآخر بعدم مقاومة الاستعمار الأمريكي، ووصف هذه المقاومة بأفضل وصفة للانتحار الجماعي وغير ذلك من الطروحات الانهزامية .
3-بناء الحضارة الإسلامية: التي قدّمت للمجتمع البشري المآثر والانجازات والعلوم، وهذا باعتراف كثير من المفكرين والعلماء الغربيين المنصفين أمثال المستشرقة"زنعريد هونكه"التي ألّفت كتابها"شمس العرب تسطع على الغرب"، و"جوستاف لوبون"مؤلف كتاب"حضارة العرب"و"ول ديورت"مؤلف"قصة الحضارة"الذي قال:"إن"روجر بيكون"و"وينلو""
وغيرهما من الأوروبيين بعد ثلاثماية عام يعتمدون بحوث ابن الهيثم لاختراع المجهر المراقب"، وقال أيضاً:"وأكبر ظننا أننا لولا ابن الهيثم لما سمع الناس قط بروجر بيكون"."
هذه الحضارة العريقة التي حاول الأوروبيون طمسها وسرقوا منها مئات الكتب العلمية العربية من العصور الوسطى بعد ترجمتها إلى لغاتهم، ونسبوها إلى علمائهم أو المترجمين منهم، كشف حقيقتها"الدكتور فؤاد سزكين خبير التراث العربي والإسلامي المعروف عن أكثر من مئة سرقة كتاب علمي عربي مهم وأرجعها إلى المؤلفين الحقيقيين من المسلمين".
وفي العودة للأسباب التي ساهمت في نجاح المسلمين قديماً في بناء الحضارة الإسلامية نجدها في كونهم ربطوها بالعقيدة الإسلامية، فإذا دققنا النظر وتعمقنا في دراسة هذه الحضارة وجدنا شيئاً واحداً يهيمن عليها الوصول إلى الله ونيل رضاه، وما وظيفة الإنسان الأولى والأخيرة في هذه الحياة إلا تحقيق هذا الهدف .
بينما نجد مسلمو اليوم، إلا من رُحِم، يربطون أسباب الحضارة بناطحات السحاب وبالاختراعات التكنولجية والأقمار الصناعية ويروها أيضاً في حرية مزعومة، وفي أجساد عارية وثروات طائلة .
إن الاختلاف بين نظرة القدامى والمحدثين إلى الحضارة تعود لاختلافهم في مقاييس هذه الحضارة، فمقياسها في الإسلام"روح وقلب ومقياسها في الغرب حديد وصلب، ومقياسها في الإسلام مدى ايمان الفرد والجماعة وكيفية جهادها للرسالة التي تحملها، والدعوة التي تحضنها، ومقياسها في الغرب مدى مادية الفرد والجماعة ومستوى غناها ومنطقة نفوذها وسيطرتها وصلاحية اختلالها واستغلالها، مقياسها في الإسلام الإيثار وإنكار الذات ومقاييسها في الغرب الإثرة وتعبد الذات، ومقايسها ف الإسلام البر والمساواة ومقياسها في الغرب الأنانية واللامبالاة".
أخيراً كثيرة جداً هي الفروقات بين مسلمو اليوم ومسلمو الأمس ولا يمكن لأحد الادعاء بأنه يمكن حصرها في عجالة، إلا أن من أبرز هذه الفروقات وأهمها:
-تمسك المسلمون القدامى بفضيلة الجهاد التي عرفوا فيها عزهم وعز أمتهم بينما صار الجهاد اليوم فريضة غائبة أو ممنوعة أو مؤقتة إلى حين تحقيق المكاسب السياسية والمادية .
-تكاتف المسلمين وتعاونهم حتى كانوا كالبنيان المرصوص، وكان ما يجمعهم هو أخوة الإسلام التي دعمها الرسو صلى الله عليه وسلم وفضّلها على أخوة الدم وكان يقول"إنما المؤمنون اخوة"، بينما نجد أن الرابط بين كثير من المسلمين اليوم هو أخوة الوطن والقومية والمذهبية .
-أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر الذي فهمه المسلمون الأوائل قوام الدين، والذي تركه مسلمو اليوم تحت حجة الحرية الشخصية وترك التدخل بشؤون الآخرين حتى حدث ما حذر منه الإمام الغزالي عندما قال: إن قوام الدين بقيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو طوى بساط الدين واهمل علمه لتعطلت النبوة ، ولاضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت
الضلالة ، وشاعت الجهالة ، واستشرى الفساد ، واتسع الخرق ، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد"."
إن ما ينقص المسلم اليوم من أجل الاستفادة من تجارب الماضي وإحياء الإسلام من جديد أن يرفع رأسه عالياً كما قال"محمد أسد"، وعليه أن"يتحقق أنه متميز، وأنه مختلف عن سائر الناس، وأن يكون عظيم الفخر لأنه كذلك ، ويجب عليه أن يكدّ ليحتفظ بهذا الفارق، على أنه صفة غالية، وأن يعلم هذا الفارق على الناس بشجاعة بدلاً من أن يعتذر منه، بينما هو يحاول أن يذوب في مناطق ثقافية أخرى".