احذروا الفخ الأمريكي!
د. فواز القاسم
لقد كان جوهر الاستراتيجية الغربية في منطقتنا العربية والإسلامية - التي يسمونها منطقة الشرق الأوسط - يرتكز في القرن الماضي على إيجاد أنظمة دكتاتورية عميلة لهم، من مهامها الأساسية:
حماية الكيان الصهيوني المزروع للتوّ في المنطقة، وذلك ريثما يقوى عوده، ويشتد ساعده، ويصير قادرًا على الدفاع عن نفسه وعن عملائه!!
ثم سحق الشعوب العربية والإسلامية، وإفقارها، ومنعها من أن تمتلك قرارها وخيارها، أو تمتلك ناصية العلم والمعرفة، أو ترتقي إلى مصاف الشعوب المتقدمة في العالم!!
ثم السهر على مصالح الغرب الاستعماري في المنطقة، وفي مقدمتها حراسة النفط، مقابل تثبيت كراسيها، وتأبيد حكمها وحكم ورثتها، وإلقاء بعض الفتات التافه لها!!
ولقد نجحت تلك الأنظمة العميلة للغرب والأمريكان في منطقتنا في تحقيق الأهداف المرسومة لها أيما نجاح، ولكن سياستها القمعية كانت قد أفرزت جملة من المضاعفات الكارثية على الغرب والأمريكان معًا، ولعلّهم قد انتبهوا مؤخرًا إليها، ومن أهمها:
أولًا: ظهور حركات إسلامية، انبثقت من رحم هذه الأمة المقهورة والمسحوقة، لم تعد ترى طريقًا للخلاص والحرية غير طريق الجهاد والاستشهاد، بعد أن طفح كيل الظلم الغربي والأمريكي والصهيوني وظلم عملائهم بحق أمتنا، وطال ليل العدوان الظالم علينا، وبلغ السيل الزبى، وجاوز الظالمون المدى، ولم يبق في قوس الصبر منزع، وسدّت جميع المنافذ والطرق المشروعة الأخرى!!
ثانيًا: تزايد موجات الهجرة من الشرق العربي والإسلامي إلى الغرب الأوربي والأمريكي لأسباب كثيرة متعلقة بالظلم والقهر، والفقر والتخلف أيضًا، بحيث أصبح المسلمون في الغرب يشكلون هاجسًا حقيقيًا مقلقًا لأهل تلك البلاد، كما أصبح الدين الإسلامي الدين الثاني في تلك البلاد، وهو أمر ربما لا يروق لصانعي الاستراتيجية الغربية على الإطلاق.
ولمعالجة هذه الظواهر السلبية قبل استفحالها اختلفت الاستراتيجية الأمريكية مع الأوروبية، فقد اعتمدت الأولى أسلوب القوة والبطش العسكري وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر ) كأسلوب وحيد لسحق كل من تسول له نفسه تحدي الإرادة الأمريكية المتسيدة في العالم، سواء كانوا أفرادًا، أم حركات، أم دولًا!!
أما الاستراتيجية الغربية، والتي تحتفظ بتراث استعماري طويل في المنطقة، وخبرة عميقة بشعوبها، فقد رأت في الاستراتيجية الأمريكية المتهورة في المنطقة خطرًا عظيمًا على المصالح الغربية ( فتح أبواب جهنم الغير قابلة للإغلاق، على حد قول الرئيس الفرنسي شيراك ) ، وبسبب هذا الخلاف فقد ذهبت أمريكا إلى العراق والمنطقة بمفردها!!
فلما اصطدمت الاستراتيجية الأمريكية بالصخرة العراقية الصلدة، وغاصت قواتها في مستنقع المقاومة العراقية الباسلة، ودفعت قياداتها أثمانًا باهظة جدًا لغطرستها وعنجهيتها، وتفرّدها في القرار، وخروجها على نصائح أصدقائها الأوربيين؛ عندها أحس الأمريكان بفداحة خطئهم، وشدة مأزقهم، ولم يكن أمامهم من خيار على الإطلاق غير الرجوع إلى صديقتهم المخضرمة أوروبا، التي وصفوها من قبل وهم في قمة نشوتهم المتغطرسة ( بالعجوز ) !!
رجعوا إليها يلتمسون عندها الحل لأزمتهم، والخروج من مأزقهم، فوافقت أوروبا بشرط أن تتخلى أمريكا عن غطرستها، وتدخل في الاستراتيجية الأوروبية بدون تحفظ فوافقت الأخيرة بدون أدنى تردد.
أما الاستراتيجية الأوربية الجديدة في المنطقة فتتلخص في الفكرة التالية: ( إن جوهر عملية التهديد للمصالح الغربية يرتكز على محورين:
محور التطرف والإرهاب بزعمهم، والذي تمثله الجماعات الإسلامية التي تتبنى الفكر الجهادي الاستشهادي.
ومحور الهجرة الإسلامية إلى أوروبا كما ذكرنا، بحيث صار المسلمون يشكلون ثقلًا مخيفًا، من حيث النسبة والفاعلية والتأثير، الأمر الذي ستكون له مخاطر جمة في السنين القادمة على التركيبة السكانية لأوروبا، ويعزون السبب في هاتين النقطتين للأنظمة الدكتاتورية القمعية التي تسوم شعوبها الخسف والهوان، صحيح أن تلك الأنظمة هي صنيعة الغرب أصلًا ولكنها كانت نتاج مرحلة سابقة، ولغايات محددة متعلقة بحماية الكيان الصهيوني المزروع في المنطقة في وقتها، وذلك ريثما يكبر عوده، ويشتد ساعده، ويصير قادرًا على الدفاع عن نفسه.
وهاقد كبر فعلًا، وصار هو الذي يحمي الأنظمة وليس العكس، وصار ضرر الأنظمة القمعية أكبر من نفعها لهم، ولذلك فالمطلوب في هذه المرحلة هو تغيير الأنظمة، ولكن على الطريقة الأوربية لا الأمريكية، أي التغيير من الداخل، وبالطرق الديمقراطية لا العسكرية، وإشاعة أجواء معقولة من الحرية والديمقراطية المسيطر عليها، وإشراك الحركات الإسلامية - المعتدلة في زعمهم - التي ترفض العنف، وتنبذ الإرهاب، وتعترف بالآخر في اللعبة السياسية والديمقراطية، وبذلك يتحقق لهم هدفان على الأقل: