الوصيف علي حزة
إن المتابع لهذا الحدث الذي هز القلوب والأسماع وأودى بحياة الكثير على حين غرة، والذي تناولته وسائل الإسلام بتفسير مادي بحت يثير العجب، حيث إنه كان من المتوقع أن تكون النظرة إلى الحدث بعين المعتبر المتعظ ؛ ذلك أن المؤمن لا يمر على آية من آيات الله - تعالى - إلا مرور المعتبر، قال - تعالى:) قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) {آل عمران: 137، 138} ، وقال - تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار {الحشر: 2} .
ذلك أن من شيم أهل الغفلة والجهل والكفر الإعراض عن آيات الله - تعالى - مطلقًا سواء الآيات القرآنية أو الآيات الكونية، قال - تعالى: ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون(1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم ) {الأنبياء: 1- 3} ، وذلك لأن انتفاعهم بالآيات معدوم، ( وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ) {يونس: 101} .
ومن طبيعة هؤلاء أن يفسروا الأحداث والتاريخ والوقائع تفسيرًا ماديًا: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) {الطور: 44} ، وليس هناك مجال - عندهم - لمفهوم الإيمان المقترن بالآية الكونية، ( فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم(24) تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ) {الأحقاف: 24، 25} .
ولما كانت نظرتهم إلى الحدث بهذه الصورة المادية البعيدة عن الإيمان كان علاجهم للمشكلة من هذه الزاوية أيضًا؛ إذ لَمَّا حدث الزلزال اتجهوا للبحث عن خبراء اليابان والمراصد وأحزمة الزلازل في العالم - ونحن لا نقلل من شأن العلم الحديث - لأن المؤمن يتخذ الأسباب التي أودعها الله في كونه، ولكنه - أي المؤمن - لا يكتفي بالأسباب فقط وإنما يتجه إلى خالق الأسباب مبدع الكون الذي إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، فيطلب منه العون والمدد حتى لا يتشبه بولد نوح، لما قال له أبوه: (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، كان جوابه باحتياطات مادية أيضًا: قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) {هود: 43} .
فهل نسي العلمانيون - أو تناسوا - بأن القشرة الأرضية تأتمر بأمر الله؟ قال - تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) {فصلت: 11} .
فكل ما في الكون طوع أمره - جل وعلا - خاضع لعظمته متذلل لجلاله: (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) {الحج: 18} ، أمرها فأطاعت وأسجدها فسجدت وأمسكها لتؤدي دورها: ( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) {فاطر: 41} .
والعقلاء يعلمون أن الأرض بيد الله وحده يحركها كيف يشاء، وفي كتاب الله ذِكْرُ الخسف الذي لحق بقارون لما عتا وتكبر بسبب ما أعطاه الله - تعالى - فكان التذكير بنهاية طاغية وهو قارون الذي نسب الفضل لنفسه ولم ينسبه لصاحبه، فقال: (إنما أوتيته على علم عندي، فكان الجزاء: فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) {القصص: 81} .
وانظر إلى قوم لوط لما استباحوا الفاحشة وإتيان الرجال من دون النساء شهوة وترديًا في حمأة الرذيلة فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر: (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود) {هود: 82} .
إن ما أصاب ثماني دول في زلزال تسونامي أولى بنا أن نفسره على أن هذا جزاء ما اقترفت أيدي الناس من حل للربا والخمر و الزنى والحرب على كتاب الله واتخاذ آيات الله هزوًا فكان كما قال ربنا: (و كأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا(8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا ) {الطلاق: 8، 9} .
إن كثيرًا من المنكرات تُرتكب باسم الفنون والآداب والحداثة والعصرية من خلال وسائل الإعلام والسياحة والتي يتمكن فيها العلمانيون فيشوشون على أهل الإيمان إيمانهم، وما نجم عن هذا الزلزال المدمر من هلاك و إبادة لمدن بأسرها فيها الصالح والطالح هو من سنن الله - تعالى -كما روى البخاري في صحيحه أن السيدة زينب بنت جحش سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال:"نعم، إذا كثر الخبث".
قال ابن حجر: الخبث: هو الزنى وأولاد الزنى.
وقال صلى الله عليه وسلم:"إِن الله يغار من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن"، ولعل انتشار سياحة الجنس في هذه البقاع و الاستعلان بالفاحشة أدى إلى هذا الدمار الهائل والذي لم يقف عند محل الزلزال وإنما تعداه إلى أماكن بعيدة.
قال - تعالى: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) {الأنفال: 25} .