فهرس الكتاب

الصفحة 1534 من 27364

خِيانة المثقّفين في السعوديّة

عبد الله العجمي

أكْلَة الجبناء المفضّلة هي الصّمت الذي يتدثّر بالحكمة، وحجّتهم المتهالكة في مواقف اللامبالاة هي فقدان الشّفافية الذي يقود إلى ضبابيَّة تدفع باتجاه التوقف في مِنطقةٍ وسطٍ بين الـ"مع"والـ"ضدّ"!

فالحقيقة عندهم يجب أنْ تكون دائماً مدعومة بشاهدين، ووضوحها يفقأ العين، متجاهلين علمهم بـ"حقيقة"دامغة لم يخفِها عن أعينهم رُكام الضّباب الذي يحتجّون به، ولم تحتجْ لشاهدين، ولا ليمين مُغَلّظة، تلك هي"حقيقة"فقدان الشّفافية !

الثقافة أيِّها المفكّر، وأيَّها المثقّف، وأيِّها الكاتب؛ معجونة بالنّضال شئت أم أبيت، يقول"مكسيم غوركي":"في أساس الفن يكمن نضال"مع"أو"ضدّ"، ولا يمكن أنْ يكون هناك فنّ لا مُبالٍ؛ لأنّ الإنسان ليس آلة تصوير، بل هو يثبت الواقع ويؤكّده أو يغيِّره ويُحطِّمه".

يقول"برتولد بريخت":"الحقيقة أمر حزبيّ إنَّها لا تكافح الكذب فقط بل تُكافح أيضاً من ينشره".

ما الذي جعل"إميل زولا"يتهم؟!

ما الذي جعل"نعوم تشومسكي"يحوّل اهتمامه من اللسّانيات إلى السّياسة؟

ما الذي جعل"بول فيندلي"يقف في وجه المجتمع الأمريكي ليصدر كتاب"من يجرؤ على الكلام"وهو الذي يعلم سيطرة اليمين المتصهين؟

ما الذي جعل"فرانسيس ستونر"تصدر كتابها الشهير"الحرب الباردة الثقافيّة"فاضحة رؤوساً ثقافيَّة كبرى، ومتّهمة إياها بالعمالة لجهاز الاستخبارات الأمريكيّة، رغم ما قد تقود إليه هذه الاتهامات من ملاحقات قانونية في مجتمع لا يسير فيه الفرد في الشارع دون أن يكون رقم محاميه الخاص في جيبه؟!

ما الذي جعل الراحل"إدوارد سعيد"يصف الكاتب بجريدة الشرق الأوسط"مأمون فندي"بالعميل، والبوق الذي يبرّر لليمين الأمريكيّ إمبرياليَّته ومخازيه، وغزواته الاستعماريّة؟

لا شيء دفعهم لهذا سوى"الضمير"،"الحقيقة"،"الوئام مع الأنا"، لم يخشَوْا شيئاً، لم يخشَوْا التصنيف، أو الحملات المكارثيَّة، أو العصا التي تلهب الظّهر لكنها لا تقطع اللّسان! التي قد تحني الظهر، لكنّها لا تحني"الحقيقة".

السعوديَّة تواجه هجمة شرسة من الداخل والخارج دون أنْ يقف في وجه هذه الهجمة أحدٌ سوى ثُلَّة قليلة من المثقفين، والمفكّرين، والأدباء، والكُتَّاب، والمشايخ في حين فضَّل الكثير أكْلة الجبناء المفضّلة.

في السعوديّة يملك الكثير من الكُتّاب، والمثقّفين، والمفكّرين المخزون الأعلى على مستوى العالم في الحجج والأسباب والدواعي التي تدفع باتجاه موقف اللامبالاة السلبي، ودونكم دواعي البعض منهم وتبريراتهم لعدم تصدّيهم لهجمة بُغاث الليبراليّة السعوديّة على مباني الوطن الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والتعليميّة:

• الخوف من التصنيف يأتي على رأسها وخصوصاً حين يُصنَّف المفكّر أو المثقّف أو الكاتب في خانة المتعاطفين مع التيَّار الديني؛ فتلك شتيمة، وأيّ شتيمة أنْ يُوصف بأنَّه سلفِيّ إسلامويّ متديّن وغيرها من توصيفات الاستئصاليّين السعوديّين.

• الخوف على المكانة البورجوازيّة والشرفيَّة التي صنعتها مواقف مسالمة سابقة.

• الشعور بأنَّ المعركة المحتدمة بين الليبراليين والوطنّيين ( بما فيهم الإسلاميّين، أومن يحلو للبعض تسميتهم بـ"المطاوعة") هي معركة غير حقيقيَّة، ولهذا فهي لا تستحقّ عناء المشاركة فيها، أو التعليق عليها! رغم تقرير"راندل"الشهير بدعم إسلام علماني جديد ومستنير، ورغم تصريحات أساطين الخارجيّة الأمريكيّة بتغيير البنية الفكريّة والتعليميّة والاجتماعيّة السعوديّة، ورغم دعمهم المعلن لتوجهات علمانيَّة بعينها! لا شيء تحت الطاولة يا سادة.

• اليأس وفقدان الأمل بجدوى المقاومة يُغذّي هذا الشعورَ، الوضعُ البائسُ الذي ينخر فيه التخلّفُ والعنصريّة والمحسوبيَّة، وكأنّنا في مجتمع شرار الناس الذين لا تقوم القيامة إلا عليهم، ولسنا في مجتمع المقاومة والمدافعة على أرض لنا فيها مثل الذي لهم، وعلينا مثل الذي عليهم.

• الالتزام الفكريّ والكتابّي للمطبوعة، والذي يخشى البعض اهتزازه نتيجة الانحياز لطرف يقف أصحاب المطبوعة أو المشرفين عليها على النّقيض منه.

• هَوَس البعض بمخالفة الجماهير أياً كان موقفها، فلا تجتمع الجماهير - في فِقههم - إلا على ضلالة!! فخوف الجماهير على مكاسبها الوطنيَّة، وارتفاع أصواتها، وجأرها بالشكوى أمر غير مبّرر على الإطلاق، وغير عقلانّي، وغير تقدّميّ، وغير واعٍ في عُرفهم.

• شعور البعض بأنَّ هذه الحرب هي حرب تقليديَّة يُستخدم فيها الدّين والوطنيَّة بطريقة غير أمينة، لكنّهم لا يحتجّون بذات الحجّة تجاه من يهاجم خطابنا الديني، ومبانينا التعليميّة والاجتماعيّة، ولا يذكرون شيئاً عن الانتهازيَّة الليبراليَّة غير الأمينة في اختيار هذا الوقت للنقد الذاتّي الذي يُخضِع كلّ شيء لمسامير ومطارق الاستنارة السعوديّة الجديدة، التي تأتي بالتزامن مع التهديدات الأمريكيّة لنا، أَنَقْدٌ ذاتيٌ أمينٌ أتى صدفةً، وجيوش الأعداء على تخومنا؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت