• ولها علاقة بما قبلها: الخشية من الوَصْم بعدم الوطنيَّة"سيف المنافقين المسلول"، وكأنَّ من سيصرخ بالحقيقة سيلقيها في وجه سلطان جائر لا في وجه أدعياء، ومرتزقة في ساحة ثقافيَّة مفتوحة للجميع!
• فقدان الجرأة والشجاعة في قول"الحقيقة"و"الحقيقة"- في الحقيقة - نوعان:
حقيقة ملائمة، وأخرى غير ملائمة، في السعوديّة لا يُفضِّل الأدباء، والمثقفون، والكُتَّاب النوع الثاني لما فيه من استحقاقات ثقيلة، ولما ينطوي عليه من حقائق عارية تبدو لأوّل وهلة ثوريَّة، والثوريَّة الثقافيَّة - القائمة على الحقائق غير الملائمة - تُثير الفزع والرّعدة في فرائص المسالمين، أما النوع الأول فكلهم يُحسنه بلا استثناء فكلّهم أبطال للحقيقة الملائمة.
• فقدان حسّ المبادرة في الوقوف ضد الاستئصاليَّة في بداياتها، والانتظار، والتردّد في مواجهتها حتى تقع الفأس في الرّأس، وهذا يحدث نتيجة عدم القراءة السليمة لتجارب الآخرين، وفِتنهم المجتمعيَّة، وعدم فهم آليات الطابور الخامس الاستئصاليّ ومن يقف خلفه.
جاء زلزال الحادي عشر من سبتمبر، وأتوقف هنا لأحكي لكم ما قاله لي أحد المفكّرين العرب قبل سنوات حين كنا نتحاور حول ما يجري في الجزائر الجريحة بعد أنْ أثار دهشتي تصريحٌ لأحد سَدَنة التيَّار الفرانكفوني في الجزائر يدعو فيه الجيش لقتل الثلاثة مليون نسمة الذين صوّتوا لجبهة الإنقاذ - هكذا!! - في الانتخابات الشهيرة التي انتهت بتدخّل الجيش، وقلب الطاولة الديموقراطية، وتمكين التيَّار الفرانكفوني المتفرنس!!
قال صاحبي: الاستئصاليون موجودون في كل مكان حتى عندكم في السعوديّة، لكنّ وقت بلوغهم لم يحنْ بعد، ولن يطلّوا حتى تطلّ الفتن، وسترى وتُنكر! وكما في الجزائر ستجد في السعوديّة من يغير ولاءاته كما يغيّر لباسه، ومن يلحق بالأغنى والأقوى والأكثر توفيراً للأمن الوظيفي، سيردّد بعض المفكّرين والمثقفين والكتاب السعوديّين ما يردّده الغزاة، وسيخلعون القفازات التي أنتنت ليضربوا بأيديهم العارية! انتظر الفتن وسترى.
هل حصل شيء آخر بعد الحادي عشر من سبتمبر خلاف ما قاله صاحبي؟!
ألم يهرول البعض إلى جرائد أعدائنا ينتقدنا فيها، ويستعدي علينا؟
ألم يسخر البعض من تديّن ومحافظة مجتمعنا؟
ألم تُخلع بعض اللّحى ويُلبس بدلاً عنها السموكن، ويُستبدل السّواك بالسّيجار الكوبي؟
ألم يدعُ البعض إلى عين ما دعا له"فريدمان"الصهيونّي من حتميّة تغيير بنيتنا الاجتماعيّة والفكريّة والدينيّة والتعليميّة؟
ألم يتباكى البعض مستنكراً على حكومتنا دعمها للمراكز الإسلاميّة في شرق الأرض وغربها، واصماً هذه المراكز بأنّها إشعاعات للفكر الوّهابي المتخلّف؟
ألم يُسخر من خيار الأغلبيَّة الديني وهابيةً كانت أو سلفيةً أو حنبليةً مرّة بدعوى مكافحة الإرهاب، وأخرى بدعوى تجفيف منابع التطرّف، وثالثة بدعوى مطاردة الفكر التكفيري؟
ألم يرسل البعض سهامه ضد المرأة السعوديّة المحافظة، وضدّ الحجاب الشرعيّ، وضدّ الفصل بين الجنسين؟
ألم ينفخ البعض في نار الاحتراب الداخليّ، والحلول الأمنيَّة العنيفة، مهاجمين كلّ دعوة صادقة لنزع فتيل القنابل البشريّة القابلة للانفجار في أيّ لحظة؟
بل ألم يقم بالأمس"فرعون"في مؤتمر الاستخفاف الذي أطلَّ منه على أهل المنهج المُعلن ليقول:"... مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: من الآية29] ."
وهل كان سبيله المعلن غير الخفي سوى سبيل الإفك والزّور، والاتهامات الطائشة التي درج عليها كل الفراعنة قبله؟ والتي لم تجد من يدحضها رغم ركاكتها وسخافتها، لكنه الاستخفاف الذي وجد طاعة!
تقول صاحبة كتاب"الحرب الباردة الثقافيَّة"في معرض حديثها عن منظمة الحرية الثقافيَّة المملوكة بالكامل لجهاز الاستخبارات الأمريكيَّة:"كانت الغايات تبرر الوسائل حتى وإنْ كانت تتضمن الكذب ( مباشرة أو بالحذف ) على الزملاء، كانت الأخلاقيات تحت إمرة السّياسة، لقد خلطوا دورهم (تقصد المثقّفين المرتزقة) تابعوا أهدافهم باللّعب على حالة الناس الذهنيَّة، اختاروا تحريف الأشياء على نحو معيّن على أمل تحقيق نتيجة معيّنة، كان ينبغي أنْ يكون ذلك عمل السّياسيّين، أما واجب المثقّفين فكان ينبغي أنْ يكون هو فضح الاقتصاد الشديد الذي يُمارسه السياسيّ بالنسبة للحقيقة".
أرأيتم؟ السعوديّون ليسوا بِدْعاً في هذا، هذا موجود دائماً، يدهشني جداً أنْ أجد في بني قومي من لا يزال -حتى اليوم - غير قادر على استيعاب أنّ مجتمعنا الثقافيّ والفكريّ السعوديّ ليس بمعزل عن نشأة العمالة والِخيانة والاستخذاء، وأنّ المجتمع الثقافّي السعوديّ ليس"شعب الله المختار"!! وأنّ أفراده لم يُخلقوا على صورة الأنبياء - صلى الله عليهم وسلم - أمانة وصدقاً، وشرفاً وغيرةً!! وأنّ ما يحصل عند غيرنا قد يحصل عندنا ما دام النفاق لم يمت، والكفر لم يندرس.
أتذكرون مرج أصحاب"تولستوي"الذين نصحهم"الحكيم"بجزّ العشب من جذوره بدلاً من قصقصة أوراقه، فالقصقصة - كما يقول - تدفع لنمو أكبر للعشب؟