فهرس الكتاب

الصفحة 25956 من 27364

خباب بن مروان الحمد

لا زالت الذاكرة الإسلاميَّة تحتضن صور ذلك اليوم الذي سقطت فيه حكومة طالبان ، وأعلنت أنَّها انسحبت من جميع مواقعها الاستراتيجيَّة ، مع أنَّ كثيراً من المحلِّلين لم يكونوا يتوقعون ذلك التراجع ، من قِبَل طالبان في أفغانستان.

نعم ...لقد انسحب الطالبان ، وغادروا مناطق حكمهم إلى قلاع ومخابئ ، وكهوف ومغارات في الجبال الشاهقة في أفغانستان والحدود المحيطة بها ، وجرت الاعتقالات ، والقصف الجماعي العشوائي، وبانت مساعدة المنافقين للصليبي المحتل ، ومعاونتهم ضدَّ المقاومة الإسلاميَّة التي وقفت صفَّاً واحداً قبالة الغزاة المعتدين.

وأتى كرزاي بتكليف من قِبَل المحتل الصليبي ؛ ليستبدل الأطلال الطالبانيَّة بأخرى كرزانيَّة ، وحالفه جمع من المنتفعين والمرتزقة الأفغان ، ظنَّاً منهم أنَّه سيغرس قيم العدل والمساواة والديموقراطية، بتشكيلة جديدة تجتمع عليها جميع القوى.

وما إن بدأت هذه الحكومة تحكم الشعب الأفغاني ، حتَّى ظهرت المعاناة ، وكثرت النزاعات ، وازداد الأفغان فقراً وأميَّة ، وبطالة وشتاتاً ، وأدركوا أنَّ تلك الحكومة مع سابق معرفته بأنَّها صنيعة أمريكيَّة ، إلاَّ أنَّها لم تضبط الأمن ، ولم تحفظ المجتمع ، ولم تساعده على النمو الإيماني و الحضاري ، بل بقي الوضع كما كان وأسوأ ممَّا كان.

في هذه الأثناء يرقب التأريخ بداية حقيقيَّة لتجمُّع فلول طالبان ، وبداية مقاومة جديدة لها ، سحبت أذيالها في شتَّى الجبهات الأفغانيَّة.

وبدأنا نرى أنَّ هذه المجموعات الطالبانيَّة من المجاهدين ، رتَّبوا أمورهم ، وأعادوا كرَّتهم بعد فترة ليست بالطويلة ، وبدأ العالم يرقب تزايد الهجمات الجهاديَّة الطالبانيَّة على الحلفاء الصليبيين ، وإحراقهم بنار الموت ، وفرار كثير من الصليبيين من ثكنة عسكريَّة إلى أخرى ، حتَّى أذاعت وكالات الأنباء أنَّ الفلول الطالبانيَّة المجتمعة سيطرت على العديد من المدن والقرى الأفغانيَّة مرَّة أخرى.

وهنا سؤال يطرح نفسه: لماذا عادت الطالبان بعد الهجمة الصليبيَّة ، وتحالفت معها بعض التكوينات الجهاديَّة والتي كانت منشقَّة عنها إبَّان حكم طالبان للأفغان قبل ثماني سنوات ؟!

يمكن الإجابة على هذا التساؤل في عدَّة نقاط:

1ـ الشعب الأفغاني شعب عتيد وعنيد يأبى الاحتلال ، ويرفض الضيم والعتو ، ولا يوالي أكثريَّته لمن احتلَّ أرضه ، وهذا ما ذكره شكيب أرسلان بقوله عن هذا الشعب: ( لا ينام على الثأر ، ولا يقبل أن يطأ الأجنبي أرضه ولا يواطئ العدو على استقلال بلاده) حاضر العالم الإسلامي ـ تأليف: شكيب أرسلان / صـ200.

ونحن لا ننسى كيف لقَّن المجاهدون الأفغان ؛ التتر دروساً في الدفاع عن دينهم وعقيدتهم ، بل هزموا جنكيز خان الذي كانت له اليد الطولى في سفك الدماء ، واحتلال بلاد الإسلام ، وكيف حطَّم الأفغان الاستعمار البريطاني الذي جثم على أرضهم 44 عاماً ، وأهان المجاهدون البريطانيين في ثلاث حروب متتالية ، وأمَّا الاتحاد السوفييتِّي فقد كان للمجاهدين الأفغان دورٌ كبيرٌ في تفكيكه إلى دويلات ، وعدم الاستسلام له خلال حرب دامت أكثر من عشرين عاماً من الزمان ، لقِّبت بعدها بلاد الأفغان بأنَّها مقبرة للغزاة.

وهكذا تمضي دورة الأيَّام ويأتي الأمريكان وحلفاؤهم من الصليبيين ليحطِّموا إمارة طالبان ويكسروا شوكتهم ويقضوا عليهم خلال فترة وجيزة ، ولكن الأمل الذي كان يحدوهم ، انقلب إلى ألم شديد، فقد أيقنوا أنَّ المجاهدين الأفغان كانوا غصَّة في حلوقهم ، وحجر عثرة في طريقهم ، حيث صمدوا في قتالهم ضدَّ المحتلِّين ، وبدأت الأنظار تتلفَّت إلى أعمالهم ومواقفهم بشكل ملحوظ.

2ـ أنَّ طالبان لا تعترف بالانتخابات ، بل طريقها الوحيد هو الجهاد المسلَّح ضد القوات الغازية الأجنبيَّة ، بل كانت دعوة الملاَّ محمد عمر للشعب الأفغاني قبل أكثر من ثمانية أشهر ، مؤثِّرة في مقاطعتهم للمشاركة في الانتخابات ، حيث إنَّهم رأوا أنَّ ممارسة الحق الانتخابي فيها عمل شكلي لا طائل من ورائه ، بل مسألة بلا قيمة كما عبَّر عن ذلك أحد المحلِّلين السياسيين وخصوصاً إذا علمنا أنَّ العرق البشتوني يمثِّل 60% من الشعب الأفغاني ، ممَّا يؤدي إلى انجذابهم للاستماع لأميرهم السابق الملاَّ محمد عمر ، وانصياعهم له ومؤازرة كثير منهم لجيش طالبان المقاوم ، ومعاونته بعد أن رأوا أنَّ حكومة كرزاي موالية للمحتل !

3ـ إدراك الشعب الأفغاني أنَّ جميع ما ادَّعاه حامد كرزاي من نشر قيم الحريَّة والديموقراطيَّة ؛ إنَّما هي فقاعات كلمات طارت في الهواء ، ولم يكن لها نصيب من العمل والعطاء ؛ ممَّا جعلهم يشعرون بالحنين إلى دولة الطالبان السابقة بعد فشل الحكومة الجديدة في ملء الفراغ الذي سبَّبه خروج طالبان من الحكم ، مع احتفاظ الأفغان في عقولهم بمدى الأمن والاستقرار الذي هيَّأته الطالبان لهم حين حكموهم ردحاً من الزمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت