فهرس الكتاب

الصفحة 12018 من 27364

سهيلة زين العابدين 12/5/1423

يعد رد شارون على المبادرة العربية التي أقرَّتها قمة بيروت باحتلال الأراضي الفلسطينية،ومحاصرة الشعب الفلسطيني ،وإقامة المذابح في جنين ورام الله،وبيت لحم ، ونابلس ،والخليل ،وهدم البيوت على أصحابها ،وتجريف أراضيهم ،واعتقال الآلاف ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقره بالدبابات ،وإلقاء النار عليه ،وغير ذلك من الجرائم البشعة،التي قام بها شارون وجنوده، رأى بعض المحللين السياسيين أنَّ هذه المبادرة العربية لن تتم في عهد شارون؛لأنَّ شارون لا يعرف السلام،وأنَّ هناك أملاً بعد شارون في تنفيذ هذه المبادرة.

ومع احترامي الشديد لأصحاب هذا الرأي ،إلاَّ أننَّي أرى أنَّهم قد جانبوا الصواب فيما ذهبوا إليه ،لأنَّه فاتتهم حقائق جد مهمة تكشفها لنا تركيبة الشخصية اليهودية المنطوية على العنف والدموية والاستعلاء والرغبة في بسط النفوذ والسيطرة ،وإقامة دولة يهودية كبرى لا تقتصر على امتدادها من النيل إلى الفرات فقط ،وإنَّما تشمل العالم كله،والمتعمق في دراسة الصهيونية العالمية ومخططاتها ،وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين يدرك تماماً أنَّ كل مسؤول إسرائيلي ،وكل يهودي صهيوني هو في الحقيقة شارون ،فشارون ليس نسيج وحده،بدليل كل اليهود داخل إسرائيل وخارجها مؤيدون لشارون ، وما مظاهرات اليهود في نيويورك،وفي جامعة بيركلي ، وفي موسكو إلا شاهدًا على ذلك ،ولا تغرنَّنا مظاهرة القلة القليلة من اليهود التي تدَّعي رغبتها في السلام، فهؤلاء يرون على كره الأمميين من غير اليهود واستباحة أعراضهم وأموالهم ودمائهم ،وخاصة كراهية المسلمين والعرب ،كما يدرسون أطفالهم في مدارسهم أنّ دولة إسرائيل الكبرى تمتد من النيل إلى الفرات ،ومن الأرز إلى النخيل أي من لبنان إلى خيبر والمدينة المنورة ،وأعتقد أنَّ وليم شكسبير كان أكثر فهماً للشخصية اليهودية عندما كتب مسرحية تاجر البندقية!فها هو مناحيم بيجن الذي وقعت معه اتفاقية كامب ديفيد يصرح في كتابه"التمرد"بالآتي:

(إسرائيل لا تستطيع العيش إلاَّ بقوة السلاح) (أنا أحارب إذن أنا موجود) ( لن يكون هناك سلام لشعب إسرائيل ،ولا في أرض إسرائيل ،ولن يكون سلام للعرب أيضاً مادمنا لم نحرر وطننا بأكمله حتى ولو وقعنا مع العرب معاهدة صلح ) ( أنتم الإسرائيليون يجب ألاَّ تأخذكم شفقة أو رحمة عندما تقتلون عدوكم ،يجب أن تقضوا عليه حتى ندمر ما يسمى بحضارة العرب التي سوف نشيد على أنقاضها حضارتنا اليهودية) (عنصر العنف والقوة جزء لصيق بالحركة الصهيونية ،والعدوان مسألة جوهرية وليست مسألة عارضة) ... إذن هل هذه التصريحات تختلف عن تصريحات شارون؟ إن هذا يعني أنه لو وقَّعت إسرائيل معنا بعد شارون معاهدات صلح أو سلام ،فهم لن يتنازلوا عن أهدافهم ،وسوف يستخدمون هذه المعاهدات لتحقيقها ،والتعجيل في تنفيذها ،فهم يستفيدون من تنازلاتنا كالاعتراف بهم ،وتطبيع العلاقات معهم فينفذون إلى مجتمعاتنا من خلال هذا التطبيع ،ويسيطرون على اقتصادنا كما هو المعهود من اليهود ،فتاريخهم يروي لنا أنّهم - دائماً- يمسكون بزمام الاقتصاد في أي بلد يذهبون إليه ،وهاهم يسيطرون على الاقتصاد العالمي ،وأصبحوا من خلال هذه السيطرة يوجهون دفة السياسة العالمية لصالحهم ،ولا سيما السياسة الأمريكية ،ومن يريد أن يفقد مستقبله السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية ،بل من يريد أن يفقد حياته فما عليه إلا أن يؤيد الفلسطينيين أو يتعاطف معهم ،ولعل اغتيال الرئيس الأمريكي جون كندي أكبر دليل على ذلك، ولم يكتف اليهود بهذا ،فهم يعملون على تخريب الزراعة ، وتدمير الصناعة، وانهيار اقتصاد البلد، وتدمير شبابنا بتغييب عقولهم بإغراقهم في المخدرات ،وإفساد صحته بنشر الإيدز عن طريق تسليط بناتهم الحاملات للفيروس على هيئة مجموعات سياحية ،وهذا ما قام به اليهود في مصر رغم رفض الشعب المصري للتطبيع ،ولكن من خلال استغلال اليهود الصهاينة لقلة قليلة من ذوي النفوس الضعيفة المريضة، استطاعوا أن ينفذوا إلى المجتمع ،وقد أنشأوا ستين مصنعاً في مصر قضي به على الصناعة المصرية المحلية ،كما خرَّبوا الزراعة والتربة الزراعية في مصر عن طريق الخبراء الإسرائيليين الذين فرضتهم على مصر اتفاقية كامب ديفيد ،وعن طريق البذور الإسرائيلية الفاسدة ،لذا نجد إسرائيل لم تقبل من المبادرة العربية إلاَّ بنداً واحداً هو التطبيع ،لأنَّها من خلاله تستطيع أن تحقق ما تسعى إلى تحقيقه وفق مخططات وضعها ساسة وزعماء صهيون،أما ما يتنازلون عنه لنا وفق معاهدات واتفاقيات فسيكون تنازلاً مؤقتاً ،يسترجعونه متى أرادوا ،ونحن لا نستطيع عندئذ الرد عليهم عسكرياً؛ لأننا مكبلون باتفاقيات معهم ،بل لا نستطيع حتى قطع العلاقات الدبلوماسية معهم ، ولعل ما يحدث الآن أكبر دليل على صحة ما أقول ،فهاهم يحتلون المدن التي منحت للفلسطينيين وفق اتفاقيات أوسلو وغيرها من اتفاقيات عقدت مقابل تنازلات كاعتراف بدولة إسرائيل وتنازل عن الأراضي التي تم احتلالها في عام 1948م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت