فهرس الكتاب

الصفحة 17435 من 27364

شعبان عبد الرحمن 10/10/1423

يسمّيها أهلها بـ"أباد نمل"أي"أرض الروح"لأنها تمثل قطعة منهم لا تنفك عن أرواحهم التي قدّموها دائما فداءً لها، ويسمّيها الروس"لؤلؤة البحر الأسود"لجمال طبيعتها وطيب هوائها وموقعها الفريد على البحر الأسود ، وهو ما جذب ثمانية ملايين مصطاف إليها في آخر صيف قبل اندلاع حربها الواسعة مع جورجيا في 14 أغسطس من عام 1992 ، ومنذ ذلك التاريخ لم يكتمل ذلك العدد أو حتى ربعه فقد أتت الحرب علي الكثير من الاستقرار والنماء والهدوء وهو ما جعل البلاد تكتسي بثياب قاتمة أغلب الوقت خاصة أن المعارك مازالت تتجدد حتى اليوم بين الحين والآخر . ومازال كل شيء كما هو مع تجدد الاشتباكات بين الحين والآخر مذكّرة من يخالجهم النسيان في غمرة الهدوء أن الحرب لم تضع أوزارها بعد ..

وهكذا ظلّت أبخازيا بهذه المكانة الكبيرة رغم صغر حجمها ، وظلّت تشغل حيزا كبيرا على الساحة السياسية رغم ضعفها ، فرغم مساحتها التي تتراوح بين 7آلاف كم2 و600 8آلاف كم2 ( طبقا لتقديرات متباينة ) إلا أن تلك المساحة تتبوأ موقعا استراتيجيا على الساحل الشمالي للبحر الأسود ، وتعتبر نقطة ربط بين أوروبا والصين عبر طريق الحرير الشهير تاريخيا والذي تجري محاولات لإحيائه ، وهي لذلك تعد ممرًا هاما للتبادل التجاري بين أوروبا والشرق الأوسط وقد عرفت قديما كمنطقة ازدهار تجاري عبر التاريخ .

شعب الأبخاز

هذا عن الأرض .. أما عن الشعب فإن أصالته هي الوجه الآخر لمعدن هذا الوطن .. جذوره ضاربة في أعماق تلك الأرض صانعة رباطا روحيا وتاريخيا بين الوطن وساكنيه لاغنى لأي منهما عن الآخر ..

شعبها هو"الأبخاز"أو"الأباظة"الذي ذاع صيته ، وفرقته الحروب والمحن في بلاد شتى فكوّن فيها عائلات يشار لها بالبنان ، وأبرزهم عائلة"الأباظة"في مصر تلك العائلة المشهورة بالانخراط في السياسة والتجارة والأدب معا ، مشاركة بذلك في امتلاك مفاتيح إدارة الحياة: سياسيا واقتصاديا وثقافيا ..

والعلاقة بين الأرض والشعب تضرب بجذورها إلى ما قبل التاريخ ، فقد كان الأبخاز هم أول من سكن هذه الأرض ولذلك تسمت باسمهم ، ويرجح علماء التاريخ أنهم بدءوا في الظهور كأمة في القرن الخامس قبل الميلاد .. ومنذ ذلك التاريخ تتابعت على بلادهم الغزوات .

من المسيحية إلى الإسلام

أصبحت المسيحية هي ديانة أهلها الرسمية عام 533م بعد أن غزاها الرومان ثم البيزنطيين وظلت هكذا حتى منتصف القرن السادس عشر عندما فتحتها دولة الخلافة الإسلامية ضمن فتوحاتها لمنطقة آسيا الوسطي ومنطقة البلقان ... وانتشر الإسلام فيها بين كل الطبقات حيث دخل الناس في دين الله أفواجا ،وظلّت الدولة الإسلامية قائمة فيها حتى بداية هذا القرن ، عندما أصيبت دولة الخلافة بالتفكك والضعف ، وجرى تقسيم أملاكها بين الطامعين من قوى الاستعمار .

الضم إلى جورجيا عنوة

وظلت أبخازيا دولة مستقلة حتى عام 1911م لكن جورجيا تحالفت مع روسيا لممارسة ضغوط شديدة عليها أسفرت عن اضطرارها للموافقة على تشكيل اتحاد فيدرالي مع جورجيا . وفي عام 1921م قرر الدكتاتور السوفييتي جوزيف ستالين ( الجورجي الأصل ) بمساعدة وزير داخليته"بيريا"ضمّها إلى جورجيا عنوة علي غير رغبة من أهلها ، فقد كانت الثورة البلشفية لم يلبث على قيامها سوى أربع سنوات ، وكانت الشيوعية الصاعدة في ذلك الوقت في أوج قوتها ، وأخذ قادة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي ينفذون خططهم لتذويب الجمهوريات الإسلامية ضمن أراضي الاتحاد السوفييتي ويشتتون المسلمين جماعات بين أراضيه الشاسعة بغية القضاء على قوتهم الديموجرافية وكياناتهم السياسية.. وكان نصيب أبخازيا الالتحاق بجورجيا لتضيف مساحة جديدة مع إقليمي أوسيتيا الجنوبية ووادجاريا اللذان تتكون منهما الأراضي الجورجية.

قهر الشعب

على صعيد الشعب فقد خضع الأبخاز"الأباظة"- كغيرهم من الشعوب المسلمة في ذلك الوقت لسياسات القمع الشيوعية بألوانها المتباينة مثل التهجير والنفي والتوطين القسري الذي مارسه جوزيف ستالين بقوة ووحشية في الثلاثينيات وهو ما أدى إلى هدم خريطة أبخازيا الديموجرافية - كغيرها من الجمهوريات الإسلامية الأخرى - وأعاد تشكيلها من جديد ... فقد دفعت الحكومة المركزية الشيوعية بأعداد كبيرة من الروس والأرمن والجورجيين إلى أبخازيا حيث تم غرسهم في أرض ليست أرضهم في الوقت الذي نفت فيه تلك الحكومة عائلات جمّة من الأبخاز إلى خارج أرضهم وديارهم فتقلص تعداد سكان أبخازيا الأصليين من المسلمين وتدنت نسبتهم وصاروا أقلية في بلادهم بعد أن كانوا الكثرة الغالبة ، فعلى سبيل المثال: كان الأبخاز يمثلون85% من السكان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لكنهم بعد عمليات التهجير لهم مقابل عمليات الإحلال لجنسيات أخرى صاروا يشكّلون 17% فقط مقابل 43%من الجورجيين و16%من الروس وبقية النسبة من أعراق وجنسيات أخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت