أما الملف الرابع حول نمط الرئيس الذي تحتاجه روسيا فهو رئيس شاب -على عكس بريجنيف ويلتسن-وربما على نمط بيل كلينتون ، ذكاؤه من نمط اندربوف -الرئيس الأسبق لبوتين في المخابرات الروسية وأحد أشد الذين أثروا في بوتن -وحذره من حذر (اندريه جريميكو) وزير الخارجية المخضرم في زمن الاتحاد السوفييتي.ويبدو أن بوتين قد بدأ بالملف الأخير -الأهون والأسهل-فقد شهدناه رئيسًا على النمط الأمريكي وأشد ، يلعب الرياضة مع الفتيان ويرتدي ملابس رياضية وهو أمر غير مسبوق لحكام روسيا -الذين قلَّدوا القياصره حتى وهم حكام شيوعيين-ورأيناه يقدم مجاملات غير معهودة حينما سلَّم الرئيس خاتمي كتابه حول حوار الحضارات مترجمًا بتقديم منه، كما رأيناه يدخل معارك داخلية ضد اللوبي الصهيوني دون حد الصدام الكبير أو الصدام العقائدي مع إمبراطوريته المالية والإعلامية ومثله فعل مع عصابات المافيا كما يبذل جهودًا مركزة على إصلاح الدولة والاقتصاد الروسي ..إلخ.
عوامل الالتقاء والخلاف مع الاستراتيجية الأمريكية والأوروبية
هذه الاستراتيجية الروسية -استراتيجية الدولة القومية بديلاً لاستراتيجية الدولة العظمى-لاشك أنها وجدت مجالات متعددة للالتقاء مع الاستراتيجيتين الأمريكية والغربية بل يمكن القول: إن الاستراتيجية الأمريكية والأوروبية كانت خططت من قبل إلى وصول روسيا لهذه الاستراتيجية، فالرؤية الأمريكية لروسيا هي حصرها في هذا الإطار واستخدام كل أسلحة المعونات المالية والاقتصادية والسياسية من أجل حصر روسيا في محيطها الإقليمي بل وتنمية نخب روسية -ودفعها للحكم -هذا هو فكرها الاستراتيجي فعلاً دون طموح أو رؤية للاندفاع مرة أخرى باتجاه بناء دولة عظمى، والأوروبيون بدورهم لا يختلفون مع الأمريكان في هذه الرؤية، بل هم يرونها طوق النجاة لهم من الضغوط الأمريكية والتخويف السابق لهم بالقوة السوفيتية وفرصة أوروبا لدعم نفوذ ودور وقوة الاتحاد الأوروبي في العالم.
كما أن الأمريكيين والأوروبيين يجدون في هذه الاستراتيجية الروسية فرصة مواتية لبناء تحالف استراتيجي يحاصر العالم العربي والإسلامي لإنهاء المعركة الراهنة ضد الإسلام والمسلمين مستثمرين في ذلك الحرب في الشيشان وكذلك نمو الحركات الإسلامية في الدول الإسلامية التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق وهو ما يلقى قبولاً عند بعض النخب الروسية الحاكمة.
هذه العوامل في الالتقاء هي التي تفسر موقف روسيا من الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وموقفها من الحركات الإسلامية، في فلسطين وموقفها من الوجود الأمريكي في الدول الإسلامية السابق وجودها داخل الجسد السوفييتي وتحت الهيمنة الروسية .
غير أن كل ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال القول بتطابق الاستراتيجية الروسية مع الاستراتيجيتين الأمريكية والأوروبية ذلك أن روسيا وفي إطار استراتيجيتها القومية وفي مواجهتها للضغوط الاقتصادية الأمريكية والأوروبية وفي إطار سعيها لتحقيق مصالحها القومية خاصة الاقتصادية - أو حتى في سعيها لاستعادة ديونها الخارجية-لابد ستتخذ مواقف معارضة أو متعارضة مع الاستراتيجيات الغربية كما أنها لاشك تشعر بقلق كبير من التواجد الأمريكي على حدودها (أفغانستان -تركمانستان-أذر بيجان - إلخ ) ومن هيمنة أمريكا على منطقة الشرق الأوسط ومن المحاولات الأمريكية للهيمنة على العالم وهو ما سيترجم أيضًا في مواقف معارضة أخرى، هذا أمر يجب إدراكه لكن الأهم هو إدراك حدوده وعدم الوقوع في وهم جديد كما سبق للعرب أن وقعوا في وهم تبني الاتحاد السوفييتي للقضايا العربية.
لقد تحولت الاستراتيجية الروسية من استراتيجية كونية إلى استراتيجية إقليمية والفارق كبير بين الاستراتيجيتين، وهذا هو التغير الجوهري الذي أدركه بوتين والذي يقود روسيا من خلاله في المرحلة الراهنة.
* مدير تحرير صحيفة الشعب المصرية.