فهرس الكتاب

الصفحة 17432 من 27364

القضية الأولى: أن الانفجار الذي حدث للاتحاد السوفييتي السابق قد خلَّف قدرًا هائلاً من المشاكل التي يصعب تجاوزها عبر مدة قصيرة من الزمن سواء لاستيعاب مشكلاتها ومتغيراتها أو تغيير السلوك القديم والمؤسسات القديمة أو الاستقرار على البديل الجديد والعودة للانطلاق مجددًا -واستعادة التوازن والحيوية-خاصة وأن هذا الانفجار قد أدى لتغيير في الجغرافيا والقوة العسكرية ومكوناتها الاستراتيجية ومؤسساتها ومصانعها، وكذلك أن هذا الانفجار قد نتج عنه تغيير في الجوانب العقيدية والمفاهيم السائدة في الدولة والمجتمع وليس في الأنظمة السياسية والاقتصادية فقط.والقضية الثانية: أن هذا الانفجار لم يكن حدثًا داخليًا فقط بل جاء محدثًا متغيرات وتغييرات دولية ليس في وضع الدولة"الروسية"فقط ، بل في الوضع العالمي بما أطلق يد الولايات المتحدة على العالم كله وعلى روسيا بشكل خاص وبما أحدثه من انهيار جميع التحالفات الدولية القديمة لروسيا في جميع أنحاء العالم، حيث فقدت روسيا دفعة واحدة أذرعها في جميع دول العالم ممثلة في الأحزاب الشيوعية ، كما فقدت علاقاتها السياسية مع جميع الدول في قارتي أفريقيا وأمريكا اللاتينية ، كما فقدت نقطة قوتها التحالفية على المستوى العسكري ممثلة في انهيار منظومة حلف وارسو بشكل خاص، وهو ما بات يفرض قيودًا مشددة على قدرة الروس على فرض أي قدر من الهيبة الخارجية -ارتكانا إلى القوة النووية-دون خطر مدمر خاصة في ظل حاجة روسيا الماسه للاستثمارات الأجنبية والقروض من الهيئات الغربية والمؤسسات"الدولية"الخاضعة لهيمنة القرار الأمريكي.

القضية الثالثة:أن الانفجار الروسي قد ولَّد عاملاً مواتيًا رغم ذلك لدور الدولة القومية الروسية بالقدر نفسه الذي قضى فيه على العوامل المواتية لدور الدولة العظمى، فقد أدى انفجار روسيا السوفيتية إلى تحرر أوروبا من سيطرة الولايات المتحدة أو على الأقل تحرر أوروبا من النقطة التي ارتكزت إليها الولايات المتحدة في السيطرة عليها وهي عقدة الخوف من الاتحاد السوفييتى كما أدى هذا الانفجار إلى تبدد جوانب من الخلاف الروسي الصيني وظهور الصين في آسيا كدولة مزاحمة لأمريكا وصاحبة مصلحه في دور روسي إقليمي لمواجهة الدور الأمريكي الساعي للهيمنة والسيطرة على آسيا وقد تزامن مع ذلك الظهور الاقتصادي والاستراتيجي للهند بما عزز طموحها الإقليمي وكذلك الظهور الاستراتيجي لإيران خاصة بعد الحرب الأمريكية والغربية ضده إلخ.

الاستراتيجية الروسية

عودًا إلى الملفات الأربعة التى قدمت إلى بوتين ، فلا شك أن ملخص الثلاثة الأولى منها هو أن الاستراتيجية الروسية ليس أمامها سوى الانتقال إلى استراتيجية إقليمية وأن البلاد-روسيا-تحتاج حاجة ماسه لتهدئة الصراعات الخارجية -إلا ما يرتبط منها بعوامل تنهك القطب الأوحد في العالم شرط عدم الانغماس الروسي فيها وأن المطلوب هو لملمة الجراح الداخلية وبناء أسس الدولة القومية وإصلاح الوضع الاقتصادي وأن الدور الروسي الجديد الذي تسمح به القدرات الاستراتيجية للبلاد هو في حدود المحيط الإقليمي الآسيوي والأوروبي وأن أهم عوامل التغير في الاستراتيجية الروسية هو في تركيزها على المحيط ونسيان الوجود والصراع في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأن بناء الدولة القومية الروسية يتطلب المحافظة على قدر هامشي من أشكال الحرب الباردة -وإن اختلف شكلها وأدواتها وطرق معالجتها -بهدف تحقيق مصالح الدولة القومية الروسية وليس الصراع والطموح الدولي -وأن أحد أهم أساليب هذه الحرب الجديدة يتمثل في تعزيز النزعات الاستقلالية لأوروبا والصين وغيرها .

وأن التحرك في الفراغ الإستراتيجي المحيط بروسيا وسط البلاد التي استقلت من تحت عباءة الاتحاد السوفييتي يتطلب درجة من التماس مع تحالف أمريكا وأوروبا ضد الإسلام والمسلمين دون إهمال الاستعداد لمرحلة ما بعد انهيار المقدرات الاستراتيجية للولايات المتحدة، وقد انعكست ملامح هذا التصور في تحركات روسيا، فقد شهدنا بوتين يبدأ حياته كرئيس بتوثيق العلاقات مع الصين والهند -رغم تحالفها مع أمريكا- ويتوجه نحو أوروبا والحلف الأطلنطي كما رأيناه لا يوصل دعمه لصربيا حليف روسيا الحضاري إلى درجة الصدام مع أمريكا وأوروبا وكذلك رغم مصالحة المالية والاقتصادية مع العراق وإيران فقد شهدناه يبدي -بصفة دائمة- رغبة في المساومة كما شهدناه لا يبدي معارضة صدامية مع الوجود الأمريكي على حدوده في أفغانستان وفي الدول الإسلامية المستقلة من تحت عباءة الاتحاد السوفييتي السابق ..إلخ

رئيس روسي على النمط الأمريكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت